أزمة سياسية حادة في ألمانيا: عنف اليمين المتطرف يحيي شبح المشروع النازي

نزلت العملية الإرهابية، التي قام بها ناشط في اليمين المتطرف الألماني بمدينة هانو يوم الأربعاء 19 فيفري والتي خلفت 9 قتلى في صفوف أكراد المدينة ،

نزلت كالصاعقة على المجتمع الألماني. و كما هي العادة منذ سنة من العمليات الإرهابية المماثلة جال المواطنون شوارع المدينة في مظاهرات للتنديد بالإرهاب الفاشي و لتوجيه اللوم للسلطات التي لم تقم بواجبها في صد هذه الحركات الإجرامية.
يأتي هذا الهجوم الإرهابي أسبوعا بعد استقالة أنغرات كرامب كارينباور (المعروفة بحروف أ.ك.ك.) ، رئيسة الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم، إثر الانتخابات في مقاطعة تورانج التي فاز فيها مرشح الحزب الليبرالي طوماس كيمريتش برئاسة الحكومة المحلية بعد حصوله على دعم حزب البديل (يمين متطرف) و جزء من حزب المستشارة أنجيلا ميركل. و أحدث ذلك ضجة قوية في الحزب الحاكم و في المجتمع الألماني الذي شهد مظاهرات شعبية في جل مدن البلاد تندد بتحالف الديمقراطيين المسيحيين مع ورثة الحزب النازي. و لو أن الرئيس كيمريتش المنتخب قدم استقالته من جراء الفضيحة فإن تداعيات الأزمة لا تزال قائمة. أول تداعياتها استقالة أ.ك.ك. التي خلفت أنجيلا ميركل على رئاسة الحزب في انتظار أخذ مكانها كمستشارة. بل تفاقمت الأزمة مع الهجمة الإرهابية ضد الأكراد التي قام بها الناشط المتطرف. و كانت بمثابة المثال الذي يرمز إلى ما يترقب الشعب الألماني في حالة نجح حزب البديل الألماني المتطرف في الحصول على أغلبية انتخابية.
استفاقة شعبية
يبدو أن هذه المرة استفاق الرأي العام على بشاعة السياسة المتبعة من قبل الحركات و الأحزاب اليمينية المتطرفة التي أرجعت شبح صعود النازية في ألمانيا. و بدأت الصحف الألمانية في مراجعة مواقفها بعد أن تعودت في السنين الماضية على وجوه الأحزاب المتطرفة و قامت بعملية «تطبيع» معها. و لخصت جريدة «سوديتش زايتونغ» المناخ السائد بعد العملية الإرهابية و تطور التعامل مع هذه الظاهرة التي هي ليست بالغريبة في تاريخ ألمانيا و استخدمت مقولة المستشارة ميركل «الكراهية هي سم قاتل».و أضافت الجريدة في تعليقها على الهجمة الإرهابية: «الأشخاص الذين يقومون بهذه الأعمال لهم نفس الخلفية لمن سبقهم في القرن الماضي الذين كانوا يهاجمون اليهود و الأجانب و ممثلي النظام. اليوم أصبح المسلمون هدفا جديدا لهم.»
و عبر الرئيس الألماني عند تنقله للمدينة المستهدفة عن تعاطفه مع عائلات الضحايا قائلا: «نحن متعاطفون معكم، نريد العيش المشترك و نظهره اليوم و غدا وهو الدواء الأقوى ضد الكراهية». إعلان الدولة الألمانية صاحبه تحرك شعبي ندد بالإرهاب اليميني المتطرف و طالب بشدة بتغيير سياسات الحكومة المتسامحة مع الحزب السياسي المنبثق من هذا التيار ، حزب البديل الألماني. و عبرت جريدة «فرانكفورتر ألغماين زايتونغ» لأول مرة عن ذلك موجهة التهمة للسياسيين المتطرفين في حزب البديل الألماني:«نحن مندهشون أمام قول رئيس حزب البديل الأماني أن عملية القتل في هانو ليست ارهابية ، لا تنتمي لا لليمين و لا لليسار، بل هي عمل أحمق. المسؤولون السياسيون الذين يعبرون عن أفكار استبدال الشعوب يعبرون عن مواقف راديكالية تساهم في أن حماقة شخص منفرد تؤدي إلى مثل هذه الأعمال.» تحميل المسؤولية السياسية للحزب المتطرف الذي يتمتع ب 90 مقعدا في البرلمان خطوة جديدة نوعيا في الصحافة الألمانية تعبر عن عدم قدرة الرأي العام على تحمل هجمات أخرى.
أزمة التوافق السياسي
تفاقم الأعمال الإرهابية من قبل الجماعات اليمينية المتطرفة في ألمانيا هز التوازنات التقليدية المشهد السياسي. نجاح حزب البديل الألماني المدوي بدخوله البرلمان ب 90 نائبا كشف على تحولات عميقة في المجتمع الألماني ليس فقط على المستوى الوطني بل كذلك في مختلف مقاطعات البلاد من شرقها و غربه بالرغم من توحيد البلاد بعد سقوط جدار برلين. منذ سنين تشكل المشهد الوطني على أساس التوافق السياسي بين الديمقراطيين المسيحيين و الاشتراكيين الذين دخلوا في عملية اقتسام السلطة في إطار حكومة ائتلافية. وهو النظام الذي كرسته المستشارة أنجيلا ميركل بالرغم من تقلص شعبية الحزبين و الانشقاقات الداخلية الحاصلة فيهما و الرافضة لهذه التوافق.
رفض حزب أنجيلا ميركل التحالف في الجهات مع الحزب اليساري ومع اليمين الشعبوي فتح الباب أمام تحالفات محلية تخالف في بعض الأحيان التحالفات على الصعيد الوطني. من ذلك أن حزب الخضر يشارك في بعض الأغلبيات في الجهات بدون أن يكون طرفا في الحكومة الفدرالية. و أصبحت المصالح الجهوية محددا أساسيا، في بعض الجهات مثل تورانج و بافيار و هسه، للتحالفات بعيدا عن المبادئ وهو ما حصل في تورينج مؤخرا.
وأجج ذلك التوجه حدة الصدام في المجتمع و حرر النزعة الدموية العنيفة في صفوف المتطرفين الذين يرفضون «نظام التوافق» المتسامح حسب رأيهم مع المهاجرين واللاجئين. واعتبرت الوكالة الفدرالية لحماية الدستور في تقريرها لسنة 2018 أن عدد المتطرفين اليمينيين يفوق 24 ألف شخص و أن من بينهم تم رصد أكثر من 12 ألف «متطرف عنيف». وذكر التقرير أن عدد المتطرفين في ازدياد منذ تسعينيات القرن الماضي. بل يشهد هذا الحراك تشعبا منذ بضعة سنين حيث أصبحت الحدود غير واضحة بين الشعبويين والمتطرفين و الإرهابيين. وهو ما يعقد التعامل الأمني و السياسي مع هذه الظاهرة.
استقالة أ.ك.ك. ومستقبل الحكومة الإئتلافية
تعدد الهجمات الإرهابية لليمين المتطرف أرجع الجدل في صلب الأحزاب الحاكمة في خصوص التحالفات المستقبلية. استقالة «أ.ك.ك.» ، بعد تحالف الليبراليين مع المتطرفين بمساندة نواب من حزب الديمقراطيين المسيحيين ، أدخلت حزب المستشارة ميركل في جدل متجدد حول مستقبل التحالفات. بسبب انقسام الحزب بين يمين و وسط لهما توجهات مختلفة و تقييمات نوعية غير متجانسة، من الممكن أن يحدد انتخاب الرئيس القادم للحزب توجها جديدا لا يأخذ بعين الإعتبار حتمية مواصلة التوافق السياسي الحالي. المرشح للفوز برئاسة الحزب المسيحي، و الذي يحظى بـ 40 % من نية التصويت في استطلاعات الرأي الأخيرة، هو رجل الأعمال فريدريش مارز الذي لا يخفي نيته نقض التحالف مع الاشتراكيين و رفض حكومة ائتلافية بهذا الشكل بل تشكيل حكومة يمينية صرفة تتجه نحو تغيير السياسات الحالية التي لم تنجح في منع الركود لأول اقتصاد أوروبي. تغيير التحالفات، على أساس الوضع الحالي، لا بد أن يفتح الباب أمام تحالفات أخرى لا يمكن أن يستثنى منها اليمين المتطرف. صعود شعبية الأحزاب المتطرفة أصبحت تهدد نظام الحكم في ألمانيا و أرجعت إلى الأذهان، مع الهجمات الإرهابية، كابوس الحكم النازي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا