الانسحاب الأمريكي من سوريا ... والتحديات القادمة

بدأت الولايات المتحدة أمس سحب قواتها من نقاطها العسكرية المؤقتة على الحدود السورية التركية وتحديدا في مناطق تل أبيض،

بريف الرقة، ورأس العين، بريف الحسكة. ويأتي الانسحاب الأمريكي تنفيذا لقرار سابق أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 19 ديسمبر الماضي بشأن انسحاب قوات بلاده من سوريا معتبرا انها انهت مهمتها بهزيمة الإرهابيين . وقد اثار القرار حينها جدلا واسعا في الداخل الأمريكي اسفر عن استقالة وزير الدفاع جيم ماتيس.

وبالعودة الى ابرز محطات التدخل الأمريكي في الأزمة السورية بدءا بالدعوة الى رحيل نظام الأسد مع انطلاق الاحتجاجات المناوئة له في عام 2011 وحتى اليوم ...نجد تغيرا كبيرا في الاستراتيجية الامريكية او الدور الأمريكي في سوريا الذي عرف انزلاقات عديدة بسبب التوازن العسكري الذي تركه التدخل الروسي لدعم نظام الأسد ...فبعد اكثر من تسع سنوات على هذا التدخل يبدو جليا ان القوات الامريكية اليوم تهم بالانسحاب وتغادر التراب السوري فيما بقي النظام السوري ولم يرحل مكذبا بذلك كل سيناريوهات رحيله او سقوطه بعد زلزال او موجة ما يسمى بـ «الربيع العربي»...فالأسد صمد وبغض النظر عن الموقف من هذا النظام فان ما يهم اليوم هو عودة سوريا الى عمقها العربي والتدخل سريعا من اجل عملية انقاذ شافية لهذا البلد . رغم ان المهمة ليست سهلة بالنظر الى ما خلفته هذه الحرب العبثية من مآسي الموت والنزوح والدمار ومن تهديم للبيوت وتشريد لمئات آلاف السوريين في عملية إبادة لهذا الشعب قد لا تنتهي ارتداداتها في القريب العاجل ...فسوريا اليوم تحتاج الى نهضة كبرى لترميم ما تهدم والعودة الى بوصلة المشهد السياسي العربي مجددا .
ولعل التحدي الأخطر اليوم هو سيناريو تفكك سوريا وتقسيمها ، خاصة بعد مسارعة

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الى الإعلان عن نية بلاده تنفيذ هجوم وشيك في شمال سوريا ضد المقاتلين الأكراد. مؤكدا في مؤتمر صحفي: «هناك عبارة نكررها على الدوام: يمكننا الدخول (إلى سوريا) في أي ليلة دون سابق إنذار. من غير الوارد على الإطلاق بالنسبة لنا التغاضي لفترة أطول عن التهديدات الصادرة عن هذه المجموعات الإرهابية». والمعلوم ان واشنطن اعتمدت في عملياتها العسكرية في سوريا على القوات الكردية التي تمكنت من اخراج داعش الإرهابي من عين العرب (كوباني) في جانفي من عام 2015، ومن تل أبيض في جوان من عام 2015 . وقد اثار هذه التحالف الأمريكي الكردي آنذاك حفيظة انقره التي اعتبرت ان وجود الاكراد على حدودها يمثل خطرا على امنها القومي . وأقامت الولايات المتحدة 18 نقطة عسكرية في الحسكة والرقة ودير الزور ومنبج وتل أبيض، وكانت نشرت قرابة ألفي جندي أمريكي في تلك المواقع . واليوم بهذا الانسحاب تكون قد طويت صفحة التدخل الأمريكي البري ...في انتظار التسوية السياسية الكبرى التي ستحدد المشهد السياسي في هذا البلاد خلال الأعوام القادمة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا