المؤتمر الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني في لقاء حواري: حول مؤتمر وارسو: الدلالات والمخرجات

جاء انعقاد المؤتمر الوزاري لتعزيز «السلام والأمن في الشرق الأوسط» بالعاصمة البولونية وارسو مؤخرا، مرتبطا بالدعوة

التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي في خطابه بالجامعة الامريكية بالقاهرة بتاريخ 10 جانفي 2019، من اجل تنسيق الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة نشاطات إيران «المزعزعة للاستقرار» في منطقة الشرق الأوسط حسب زعمه.

وقد سلط «المؤتمر الدولي للتضامن النضالي التشاركي مع الشعب الفلسطيني» الضوء على ابرز ما تضمنه هذا المؤتمر في لقاء حواري تحت عنوان « ما بعد مؤتمر وارسو: دلالات ــ تحديات ــ مهام» بمشاركة منظمات مجتمع مدني ومجموعات طلابية تونسية وناشطين فلسطينيين. وتناول المشاركون في حوارهم مؤتمر وارسو المنعقد بالعاصمة البولونية بتاريخ 13 ــ 14 فيفري 2019 بمشاركة ممثلي 62 دولة، والذي حمل اسم «المؤتمر الوزاري لتعزيز «السلام والأمن في الشرق الأوسط .

لقد بحث المجتمعون اربع قضايا تمثلت في دلالات المؤتمر ومخرجاته والتحديات المترتبة عليه والمهام الملقاة على عاتق القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني العربية في مواجهتها. ورأى المشاركون في اللقاء ان انعقاد مؤتمر وارسو قد جاء في ظل صعود قوى دولية جديدة وتراجع الهيمنة الامريكية، وانهيار التضامن العربي وتفشي التطبيع العربي الاسرائيلي. لذلك اختارت امريكا مكان الانعقاد لتوجه من خلاله رسالة تذكير بانتصارها في الحرب الباردة وكموقع تثبيت لأقدامها في اوروبا الشرقية التي تنسجم مع سياساتها الإقليمية والدولية، في وجه اوروبا الغربية التي ينحى قادتها منحى استقلاليا عنها. واشار الباحثون الى ان امريكيا حددت اهدافها من المؤتمر بشكل رئيس في تأسيس تحالف اقليمي عسكري يضم إضافة دول مجلس التعاون الخليجي الست اضافة الى مصر والأردن، وينفتح على اسرائيل في وجه إيران. وكمنصة للترويج «لمستقبل عمليه السلام والأمن في الشرق الأوسط». بينما سعت اسرائيل الى اغلاق ملف القضية الفلسطينية لمصلحتها. وتوظيف التطبيع داخل المؤتمر في الدعاية الانتخابية لصالح بنيامين لنتنياهو. بينما مضت السعودية تحت سقف الاهداف الامريكية من اجل تفادي تداعيات اغتيال الخاشقجي وقانون جاستا. كما توقف المشاركون امام مخرجات المؤتمر وانتهوا الى فشله في تحقيق الهدف الرئيسي المتعلق بإيران. لأسباب تعود الى عدم جاهزية الولايات المتحدة الامريكية للمواجهة المفتوحة مع إيران.

تحديات المرحلة القادمة
أما على مستوى تحديات المرحلة القادمة الناجمة عن المؤتمر فقد حددها المجتمعون في تقدم الكيان الصهيوني بخطى حثيثة على طريق العلاقة مع النظام الرسمي العربي. والترويج لخطاب انتهاء الصراع العربي الاسرائيلي لصالح الصراع الاقليمي مع إيران، بما يؤسس للاشتغال اللاحق على المستوى الاعلامي والثقافي باتجاه محو الذاكرة التاريخية والغاء فكرة الصراع مع العدو الصهيوني وتسعير الخطاب الطائفي. وحدد اللقاء مجموعة من المهام للعمل في المرحلة القادمة تلخصت في التأكيد على ان الصراع مع العدو الصهيوني هو صراع وجود تناحري يرتبط بطريقة حسمه مستقبل ومصير الامة. وضرورة صياغة الاليات التي تسمح بالارتقاء بمستوى التصدي للتطبيع بكافة اشكاله. والدعوة لعقد مؤتمر شعبي عربي لتأكيد الثوابت ومقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني. والتأكيد على تحمل المؤسسات القانونية العربية بمختلف اشكالها مسؤوليتها في ملاحقة العدو وفضح جرائمه. وتفعيل الذاكرة التاريخية بالقضية الفلسطينية وقضايا الصراع العربي الاسرائيلي. والتصدي بحزم للخطاب الطائفي. ودعم نضال المقاومة الفلسطينية بكل اشكاله القائمة وتوفير الدعم لمسيرة العودة التي تشكل رافعة للنضال الوطني الفلسطيني. والانتباه الى ضرورة دعم واسناد قوى مقاومة للتطبيع في الخليج العربي التي باتت تعرض للملاحقة والاعتقال. واختتم اللقاء بتوجيه التحية للشعب اليمني البطل الذي خرج تحت قصف العدوان مؤكدا موقفه الرافض للتطبيع والداعم لنضال الشعب الفلسطيني.

دلالات سياسية
واكد د. عابد الزريعي الكاتب والباحث الفلسطيني ان مؤتمر وارسو ضمن المؤتمرات التي ينطوي مكان وزمان انعقادها على حزمة من الدلالات السياسية الاولية التي تسري في اروقته قبل وبعد انتهاء اعماله. وقال ان وارسو عاصمة بولونيا تبرز بوصفها المدينة التي كانت تتبدى من خلالها قوة الاتحاد السوفيتي العسكرية قبل انهياره، والمتماهية مع الحلف الذي حمل اسمها. لذلك فان اختيارها من قبل امريكا لانعقاد المؤتمر الذي هندسته بكل تفاصيله يمثل رسالة في اتجاه الماضي، لتستعيد من خلاله بريق انتصارها على القوة العظمى المنافسة. وفي اتجاه الحاضر والمستقبل المتمثل في صراعها مع اوروبا الغربية. اما عن دلالات الزمان فيضيف بالقول :«جاء انعقاد المؤتمر في لحظة تذكر بانعقاد مؤتمر مدريد عام 1991 التي افرزتها حزمة متغيرات دولية تمثلت في انهيار الاتحاد السوفييتي، واقليمية أبرزها حرب الخليج الاولى وانهيار التضامن العربي وتمدد النفوذ الامريكي في المنطقة. والمفارقة ان مؤتمر وارسو جاء في ظل متغيرات معاكسة على المستوى الدولي أبرزها صعود قوى دولية جديدة وتراجع الهيمنة الامريكية، لكن وجهها الاخر استمرار انهيار التضامن العربي وتفشي التطبيع العربي الاسرائيلي. لذلك انتجت اللحظتان ذات الصورة مجموعة من القادة العرب الى جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي. بكل ما يترتب على ذلك من نتائج لاحقة. فاذا كان مناخ وفضاء مدريد قد وفر الارضية لاتفاق اوسلو 1993 ومن بعده اتفاقية وادي عربة1994، فان السؤال عما يمكن ان ينتجه مؤتمر وارسو يبقى سؤالا مطروحا ومشروعا.

مخرجات مؤتمر وارسو
واوضح الزريعي ان مخرجات مؤتمر وارسو تتحدد من خلال مقارنتها بأهداف الأطراف الرئيسية المشاركة والتي يمكن حصرها من بين جميع المشاركين في ثلاثة أطراف وهي (امريكا ــ اسرائيل ــ السعودية) تتقاطع اهدافها وتلتقي على الرغم من تباين مواقعها على سلم موازين القوى والقدرة على التأثير في سير الاعمال ورسم الاهداف القصوى. فامريكا – بحسب الزريعي - ارادت بشكل رئيسي تأسيس تحالف اقليمي عسكري «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي» يضم إضافة لها دول مجلس التعاون الخليجي الست مصر والأردن، وينفتح على انضمام اسرائيل اليه لمواجهة إيران والعمل على استقرار الإقليم. واستغلال المؤتمر كمنصة للترويج «لمستقبل عمليه السلام والأمن في الشرق الأوسط».

اما «اسرائيل» فارادت التقاطع مع الهدف الأمريكي باستهداف إيران، بما يترتب على ذلك من إغلاق ملف القضية الفلسطينية لمصلحتها. والاستفادة من المؤتمر في تظهير عملية التطبيع المتنامي بينها والدول العربية المشاركة. وتوظيف ذلك في الدعاية الانتخابية لصالح بنيامين نتنياهو بتقديمه للناخب الاسرائيلي بوصفه القائد الذي جاء بالعرب في حلف ضد إيران.
اما بالنسبة للموقف السعودي فبين الباحث ان السعودية التي ارادت الاستفادة من الموقف الامريكي في رفع سقف العداء لإيران، وفي ذات الوقت وضع هذا الهدف تحت سقف الرغبة الامريكية كي تبرز كطرف تنفيذي لسياستها في المنطقة، وذلك من اجل تفادي تداعيات اغتيال الخاشقجي وما يمكن ان يترتب عن قانون جاستا المقر من قبل الكونغرس الامريكي.

واكد الباحث الفلسطيني ان تحديد النتائج المتحققة لمؤتمر وارسو تستدعي الانتباه الى انه ليس من نمط المؤتمرات المقررة، أي التي تتخذ قرارات محددة تجاه القضايا المطروحة، وانما تستخلص نتائجه من خلال المواقف المعلنة للأطراف صاحبة الاهداف الرئيسية. لذلك جاء البيان الختامي عاما وفضفاضا، وعلى الرغم من تحديد ست مجموعات متعلقة بمكافحة الارهاب وحقوق الانسان، الا انها لا تخرج عن هذا السياق.

وقال ان المؤتمر فشل - بحسب رايه- في تحقيق الهدف الرئيسي المتعلق بإيران الى حد عدم الاشارة اليها في البيان الختامي، بما يعني ان المؤتمر كان بمثابة تظاهرة معلنة سارت في الشارع الذي رسمته لنفسها. وذلك يعود لعدم جاهزية الولايات المتحدة الامريكية للمواجهة المفتوحة مع إيران، في ظل انشغالها بجبهات أخرى وفي ظل حقيقة وضعها المتراجع على الساحة الدولية. واعتقادها ان المسافة يمكن ان تضيق بين العرب والاسرائيليين من دون الذهاب الى مواجهة عسكرية مكلفة مع إيران. التي تنقسم حولها البيئة الدولية والاقليمية. فالبيئة الدولية متخمة بصراع الأقطاب المختلفة المنقسمة حول إيران او الداعمة لها. فالأوربيون يختلفون مع امريكا حول محاصرتها عسكريا واقتصاديا لذلك انشأوا نظام «انستاكس» للتبادل التجاري للالتفاف على الحصار. الامر الذي اعتبره نائب الرئيس الامريكي في كلمته امام المؤتمر «خطوة غير حكيمة ستقوّي إيران وتضعف الاتحاد الأوروبي وتبعد المسافة أكثر بين أوروبا والولايات المتحدة». والروس يوجهون رسالتهم النقيضة للموقف الامريكي من إيران بعقد مؤتمر سوتشي على مستوى القمة بين الرئيس الروسي والتركي والإيراني، وبتوقيت متزامن مع انعقاد مؤتمر وارسو. وفي خضم هذا الصراع نجد وزير خارجية الدولة المضيفة يقوم بزيارة تطمين لإيران قبل انعقاد المؤتمر. ثم تنحاز داخل المؤتمر الى جانب الموقف الاوروبي وليس الامريكي، لتدخل بعد ذلك في أزمة دبلوماسيّة مع اسرائيل بعد اتهامها بمعاداة السامية.

واشار الزريعي الى ان الخطاب المروج على هامش المؤتمر سواء من خلال الكلمات التي ألقيت او التصريحات الصحفية. يقوم على ثلاثة مرتكزات:
ا - ان الصراع العربي الاسرائيلي قد بات شيئا من الماضي. هذا ما قصده نتنياهو بقوله «نحن نصنع التاريخ» وما دعي اليه في بيان مكتبه حرفيا «الامتناع عن التمسك بالماضي والمضي قدمًا نحو المستقبل». متقاطعا في ذلك مع كلام وزير خارجية عمان الذي يقول «الذين يتحدثون عن الصراع يعيشون في الماضي». وزير خارجية البحرين بقوله «ان القضية الفلسطينية لم تعد ذات اعتبار».
ب - ان الصراع الرئيسي في المنطقة هو الصراع الاقليمي مع إيران، بما يشكل الارضية للتحالف مع اسرائيل لخوض هذا الصراع.
ج - ان اسرائيل يمكن ان تكون جزءا من صيغة اقليمية جديدة على أنقاض الجامعة العربية، الامر الذي لمح اليه نتنياهو في البيان الصادر عن مكتبه بالقول: «أشكركم باسم المواطنين الإسرائيليين وأسمح لنفسي بأن أقول ذلك أيضًا باسم الكثيرين في الشرق الأوسط».
فهذا الخطاب يمثل في جوهره ارضية للاشتغال اللاحق على المستوى الاعلامي والثقافي باتجاه محو الذاكرة التاريخية والغاء فكرة الصراع مع العدو الصهيوني وتسعير الخطاب الطائفي. من اجل الاستمرار والنجاح في تحقيق الاهداف الامريكية الاسرائيلية. لذلك فان مؤتمر وارسو ورغم فشله في اتخاذ قرارات محددة تجاه إيران، الا انه قد أبقى الباب مفتوحا لمناوشتها بغض النظر عن الصيغ المتبعة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا