قرار تاريخي: فرنسا تعترف بالتعذيب خلال «معركة الجزائر»: إيمانويل ماكرون يفتح الأرشيف السري للباحثين

إعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمسؤولية الدولة الفرنسية في «موت موريس أودان تحت التعذيب» من قبل قوات الجيش الفرنسي عام 1957 في الجزائر، وهو

أحد الفرنسيين الشيوعيين وقد اندمج في معركة الاستقلال بجانب الجزائريين . وكان ماكرون قد زار يوم الخميس 13 سبتمبر، بعيدا عن أعين الإعلام، أرملة أودان ،البالغة من العمر 87 عاما، و قدم لها «اعتذارات» الدولة مؤكدا، في رسالة خطية للأرملة، أن «موريس أودان تم تعذيبه ثم قتله أو تعذيبه حتى الموت من قبل جنود كانوا القوا القبض عليه في بيته». و يكون الرئيس ماكرون أول رئيس اعترف باستخدام التعذيب في الجزائر في فترة الاستعمار و رفع بذلك أحد «الممنوعات» في فرنسا في خطوة تاريخية تعمل على «المصالحة بين ذاكرتين» في مسألة شدت الرأي العام الفرنسي و الجزائري منذ ستين عاما.

الخوض في «حرب الجزائر» قضية شغلت بال السياسيين والمؤرخين والجنود الذين عايشوا تلك الفترة وتســــتروا على فظاعات الجيش الفرنسي التي مارسها ضد الجزائريين الذين اختاروا القتال من أجل التحرر وكذلك المدنييـــــن. أولى خطوات التهدئة كانت على يد الرئيس جاك شيراك الذي طلب عام 1998 من سفير فرنسا في الجزائر الإعتراف بمجزرة سطيف عام 1945. ثم أتى دور الرئيس فرنسوا هولاند الذي اعترف بمسؤولية فرنسا في قمع مظاهرات أكتوبر 1961 في باريس. و في نفس الموجة أقر بأن موريس أودان «لم يهرب» من الاعتقال بل مات في السجن، دون أن يتعدى «الممنوع» الوطني الذي كبل الطبقة السياسية الفرنسية لمدة عقود. 

تعذيب نظامي و قانوني
الجديد في موقف الرئيس ماكرون هو أنه لأول مرة يعترف بأن التعذيب في الجزائر كان يندرج في «نظام يسمى «إيقاف-إعتقال» في ذلك الوقت الذي سمح لقوات الأمن بإيقاف وسجن واستنطاق كل «مشتبه فيه» في إطار مقاومة ناجعة» . وكانت الحكومة الاشتراكية الفرنسية في خمسينيات القرن الماضي قد طلبت من البرلمان المصادقة على قانون يعطي «صلاحيات خاصة» للجيش في حربه على جبهة التحرير الوطني الجزائري. مما فتح الباب أمام كل التجاوزات التي كان ضحيتها آلاف المدنيين والمقاتلين الجزائريين في حرب خلفت مئات الآلاف من الضحايا.

نظام التعذيب في الجزائر الذي تأسس عبر القانون أعطى حرية مطلقة للجيش من أجل فرض الأمن. و فسح المجال للتعذيب والتصفيات الجسدية خارج نطاق القانون. وبالرغم من أن التعذيب كان مجرما من قبل القانون فإن البرلمان أضفى «شرعية» على هذه الممارسة وهو ما جعل مرتكبي هذه الجرائم يفلتون من العقاب و لو أن بعضهم ، مثل الجنرال أوساريس «سفاح الجزائر» قد اعترف بتعذيبه للمساجين دون أن تتم ملاحقته عدليا قبل وفاته.

فتح الأرشيف الفرنسي
وعد كذلك الرئيس ماكرون بفتح الأرشيف الفرنسي للجيش و قوات الأمن و وزارة الخارجية أمام المؤرخين والجمعيات وعائلات الضحايا. وهي خطوة أرادها الرئيس لمساهمة الجميع في إعادة صياغة تاريخ هذه الحقبة الأليمة من التاريخ المشترك. ورحب المختصون في التاريخ بهذه الخطوة و عبروا عن أملهم أن يشمل ذلك كل الأرشيف وليس فقط أرشيف «معركة الجزائر» العاصمة.

ولاقى إجراء الرئيس ماكرون استحسان الحكومة والصحافة الجزائرية التي اعتبرته خطوة نحو إبراز الحقيقة و إعادة الاعتبار للضحايا. واعتبرت شخصيات من جمعيات تمثل قدماء المحاربين و«الحركيين» الذين ساعدوا الجيش الفرنسي أن ذلك يجب أن يطبق في الإتجاه المعاكس أي أن يطالب الجزائريون باتخاذ نفس المنهج في فتح أرشيفهم الذي يحتوي على معلومات تتعلق بالضحايا غير الجزائريين. ويعتقد الخبراء المتخصصون في تاريخ الحرب الجزائرية أن أكثر من 3000 حالة «اختفاء» لم يتم الحسم فيها إلى الان و أن فتح الأرشيف سوف يمكن من التوصل إلى كشف عديد الحقائق، هذا إذا قررت مختلف الوزارات فتح كل أرشيفها بعيدا عن المراوغات التي اعتادت ممارستها في الماضي.

وإن اعتبرت عائلة موريس أودان أن زيارة الرئيس الفرنسي إلى أرملة الفقيد هي رد اعتبار ، ولو متأخرا، فإن بعض الشخصيات من اليمين واليمين المتطرف، مثل مارين لوبان ابنة جون ماري لوبان الذي لم يخف أنه شارك في تعذيب الجزائريين عندما كان ضمن الجيش الاستعماري، اعتبرت أن اعتراف الدولة بالتعذيب يشق المجتمع ولا يخدم حماية الوحدة الوطنية. بل ذهب بعضهم إلى اعتبار أن استخدام التعذيب ضد الجزائريين المقاتلين كان وسيلة ناجعة لردعهم و لجبرهم على دخول المفاوضات السلمية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية