الباحث و الكاتب السوري سلام الكواكبي في حوار خاص مع «المغرب»: «الحل الوسط في سوريا لا يضمن استقراراً دائماً وعدلاً مستداماً»

التقينا مؤخرا بباريس الباحث والكاتب والناشط الحقوقي سلام الكواكبي حفيد المفكر السوري عبد الرحمان الكواكبي صاحب كتاب «طبائع الاستبداد» على هامش تظاهرة تقديم أول ترجمة للكتاب للغة الفرنسية عن دار «أكت سود» الفرنسية. وحاورناه في موضوع الأزمة السورية الحالية.

سلام كواكبي هو نائب مدير مؤسسة مبادرة الإصلاح العربي ورئيس جمعية «مبادرة من أجل سوريا جديدة» وعضو مجلس إدارة «اليوم التالي». وهو كذلك جامعي وباحث في مركز الدراسات التوثيقية ببرشلونة. وسبق أن شغل منصب مدير المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في حلب.

صدرت هذه الأيام بمدينة باريس ترجمة للفرنسية لكتاب عبد الرحمان الكواكبي «طبائع الإستبداد». قمت كحفيد للمفكر الإصلاحي السوري بصيانة ما توفر من تراث الكواكبي. ماذا تبقى اليوم من هذا التراث؟ هل تخبرنا عن صيانته في زمن الحرب؟
في الحقيقة، لأشخاص آخرين فضلٌ كبير أيضا في نقل فكر الكواكبي وتحقيق أعماله الكاملة كالصديق محمد جمال طحان. أنا استطعت من خلال الندوات واللقاءات العلمية، أن أعرض لأهم جوانب هذا الفكر وكما أنني سعيت دائماً للتعريف بأهم محتوياته باللغة الفرنسية، فقمت بإعداد بحث علمي موسع في تسعينات القرن المنصرم حول هذا التراث الفكري الغني نشرته مجلة معهد ابحاث العالم العربي والاسلامي في مدينة إكس أون بروفانس. كما أنني انخرطت في جهد مشترك لكي يخرج هذا الكتاب كاملاً بالفرنسية لأول مرة. إن صيانة تراث الكواكبي الفكري تتطلب منا أن نبقي شعلة هذا الوعي المبكر بأمراض الأمة وسبل تجاوزها متّقدة. أما المدرسة الكواكبية والجامع الكواكبي، التي ارتادها الكواكبي، والموجودان في وسط مدينة حلب القديمة، فلا معلومات لي تفصيلية عنهما، سوى أن مجمل الحي قد تعرّض للتخريب نتيجة القصف الجوي. إذاً، يجب الاعتقاد بأن التراث الفكري يستمر رغم القضاء على التراث المادي. إحياؤه هو وظيفة كل المتنورين وليس فقط من يلوذ قرابة به.

تمر سوريا بحرب انطلقت عام 2011 في صورة انتفاضة شعبية سلمية وصولا الى صراع مسلح دموي ثم إلى ساحة لنزاعات إقليمية ودولية. كيف ترى المشهد اليوم على ضوء المفاوضات الحالية في جينيف؟
بعد إقرار الهدنة الهشة في نهاية شهر فيفري الماضي، عاد السوريون الى ساحات التظاهر في عشرات المدن والقرى مستفيدين من غياب مروحيات وقاذفات الموت. هذا أكبر دليل على أن جذور الانتفاضة لم تختف بل ازدادت إصراراً رغم تعقيد المشهد والتدخلات الإقليمية والدولية المتشابكة، وعلى الرغم من دخول التطرف على ساحة المواجهة الشعبية. كما ما زال المشهد قاتما في ظل مئات الآلاف من الضحايا وملايين المهجرين داخلياً وأمثالهم ممن لجأ إلى الخارج القريب أو البعيد. البنى التحتية دمرت بنسب كبيرة كما أن هناك جيلا كاملا خرج من طور الدراسة، ولهذا تبعات جمة في قريبٍ ليس ببعيد. المفاوضات الجارية في جنيف تراوح مكانها بانتظار قرار للرعاة الدوليين لإيجاد مخرج لمأزقها. بنود اتفاقية جنيف الأولى سنة 2012 تنص على هيئة حكم انتقالي، والحديث يدور اليوم عن مجلس رئاسي مشترك، وفي هذا خروج عن روح ما توصل اليه الفرقاء الدوليون لحل المسألة السورية بمشاركة الروس حينذاك. يبدو أن حلاً وسطاً لا يضمن استقراراً دائماً وعدلاً مستداماً يلوح في الأفق. اتفاقية طائف اللبنانية سنة 1989 لم تنشئ سلاماً في لبنان إنما هي أوقفت الحرب. كما أن اتفاقية دايتون للبوسنة لم تكن إلا وقفاً للحرب وتعقيداً سياسياً وإدارياً لمستقبل البلاد. فمنذ إقرارها سنة 1995، لم يحصل أي تطور سياسي أو اقتصادي يذكر في هذا البلد. إذا، فتجارب الاتفاقيات السابقة سلبية النتائج. هل سيتمخض عقل الرعاة الدوليين عن حل منصف للشعب السوري بكافة مكوناته ؟ وذلك كله في ظل صلفٍ روسي / إيراني ولا مبالاة أمريكية وغياب أوروبي تام ؟

هل يمكن الاعتقاد أن أفكار الكواكبي، التي تقدم بها في مطلع القرن العشرين، والتي تتعلق بعلاقة الإنسان العربي بالدين والسلطة وعلاقة هذه الأخيرة بالدين، لها امتداد اليوم في سوريا وفي العالم العربي؟ هل يمكن القول أنها أفكار معاصرة؟
بعد صدور الكتاب بالفرنسية، اتصلت بي صحفية تطلب الحديث الى مؤلفه، ويبدو انها لم تنتبه إلى المقدمة التي أوردت تاريخ حياته. هذا مؤشر، إن أحسنت الظن، إلى مدى راهنية النص. كما أن المؤشرات الأخرى والأكثر جدية تتمثّل في ورود ذكر نصوصه وأقواله في مجمل الكتابات الحديثة كما في طليعة الحركات الاحتجاجية : هناك تنسيقية في الانتفاضة السورية تسمى بأحفاد الكواكبي، كما أن أولى منابر الحوار الديموقراطي في فترة ربيع دمشق المؤود في بداية الألفية الثانية حملت اسم الكواكبي أيضا. كثيرة هي أيضا المنظمات الفكرية والحقوقية السورية كما الاقليمية والدولية، تتبنى مبادئ فكره في خط سياساتها وحتى في اختيار مسمياتها. أفكاره إذا، والمعادية لكل انواع الاستبداد، وخصوصاً الاستبداد المتلظي بعباءة الدين، حية ما زالت وتمنح الزاد الفكري الغني للكثير من معاصرينا في حقول العلوم الانسانية.

هل تعتقد أن الانقسامات الحاصلة بين الفصائل السياسية والاجتماعية في سوريا (الصراع بين العلويين والسنة، بين الإسلاميين و العلمانيين، بين الجهاديين والتابعين للنظام الخ) يمكن أن يتم تجاوزها للحفاظ على وحدة تراب سوريا في حين بدأت القوات العظمى تلوح لإمكانية تقسيم سوريا؟
لا أصنف الصّراعات كما أوردت بل أحيلها إلى تعريفات أكثر ارتباطاً بمنظومة الحكم السياسي وبالعلاقات الطبقية وبالتكوين الاجتماعي لسوريا. تجاوز أي صراع، إن صحت التسمية، يتوجب إحقاق العدالة، ومن دونها، فبذور النزاعات تستمر في المبيت في زوايا الظلام. ويمكن لها ان تتفجر بصور مختلفة. لا يوجد صراع ديني في الأساس في سوريا، بل تم تطييفه من خلال رغبة ميكافيلية من قبل النظام، أضيف لها لاحقاً استغلال لا يقلّ سوءا من قبل الجهات المتطرّفة الدينية والتي اغتصبت أهداف الثورة السوريّة الساعية للحرية والعدالة والكرامة. في المعارضة السورية هناك توافقات على الحدود الدنيا لمستقبل مشترك لكل السوريين. وفي هيئات المعارضة، تتمثّل غالب التيارات السياسية والايديولوجية. أما الحديث عن تقسيم سوريا، فهو الحل الأسهل للقوى الخارجية ولكنه غير قابل للتحقق إذا اطلع المهتم ولو قليلاً على التركيبة الديموغرافية للبلاد. كما أن محاولات سابقة في هذا الصدد قد فشلت، وأشهرها، تعود الى عشرينات القرن الماضي حين أرادت سلطات الانتداب الفرنسي (1920 ـ 1945) أن تقسم البلاد على أساس ديني. بالطبع، الظروف تغيرت، وقد أثّرت سنوات المقتلة الخمس على تلاحم المجتمع أيما تأثير. بالمقابل، لا يوجد في المدى المنظور اية عوامل تساعد على تحقيق هذا التقسيم الموهوم.

كمسؤول بارز في منظمة مبادرة الإصلاح العربي، كيف تقيم الوضع في دول ما يسمى بالربيع العربي؟
سبق لمبادرة الاصلاح العربي أن أطلقت مجموعة من البرامج البحثية في منتصف الألفية الثانية تتطرق إلى مواضيع هامة طرحتها فيما بعد ثورات الربيع العربي، من فشل منها ومن هو في طور النّجاح. فقد أطلقنا مع مجموعة من قادة الرأي في عدة دول عربية، حواراً نقدياً بين قوى المعارضة المختلفة. كما أننا تطرقنا إلى مسألة إدارة التنوع الإثني كما الديني. واستعرضنا مواضيع ترتبط بإصلاح الدساتير والقضاء. وركزّنا في عملنا أيضا على مسألة تلازم إصلاح المؤسسات الأمنية مع الإصلاح السياسي والدمقرطة عموماً. من جهة تقييم ما صارت إليه الأمور، أرى بأن قبس النور الوحيد حاليا يأتي من تونس التي تجاوزت مرحلة مهمة في عملية الانتقال السياسي رغم كل العقبات السياسية والمنغصات الأمنية والاقتصادية. ذئاب الاستبداد بكل أشكاله، تنتظر لحظة ضعف لتنقض على هذه التجربة التي من واجب كل ديمقراطي في العالم أن يحميها. في بقية البلدان، هنا آمال مؤودة وهناك بشائر تغيير تدريجي وهناك أيضاً ثورات مضادة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية