فرنسا .. غيوم تحلق فوق السنة السياسية الجديدة: مظاهرات شعبية في الأفق

إنطلقت السنة السياسية الجديدة الفرنسية بعد أن أنهى الرئيس إيمانويل ماكرون عطلته في مدينة مرسيليا وشرع في جولة مكوكية في البلدان الشرقية الأعضاء في الإتحاد الأوروبي. من ناحيته قام الوزير الأول إدوار فيليب، في حوار مع «بي أف أم»، بتوضيح الإجراءات المبرمجة في المشروع الإصلاحي

الذي تبناه الرئيس الفرنسي في حملته الإنتخابية. من ناحيتها تتهيأ تنظيمات المعارضة لخوض معارك سياسية جديدة بعد هزيمتها التاريخية في الانتخابات التشريعية و الرئاسية الأخيرة. اليمين يحاول إعادة هيكلة إدارته في حين تتخبط الجبهة الوطنية في تحديد وجهتها السياسية. أما اليسار فهو منقسم بين حزب اشتراكي في حالة تفكك و حزب خضر غائب على الوجود . و صعدت حركة «فرنسا الأبية» إلى صدارة المعارضة اليسارية بعد نجاحها في التشريعية.
بعد ثلاثة أشهر من دخول ماكرون قصر الإيليزي تنطلق الإجراءات الأولى المبرمجة لعام 2018. و قامت الحكومة، في هذا الصدد، بالإجراءات التشريعية اللازمة للحصول على تفويض من البرلمان للحكم عبر أوامر تنفيذية تتعلق بتسعة مواضيع كان حددها ماكرون في برنامجه الانتخابي. و لاقى هذا الاختيار انتقادات متعددة من قبل تنظيمات المعارضة بسبب حصول الرئيس على أغلبية مطلقة مريحة تسمح بتمرير القوانين دون «تدجين» البرلمان. في نفس الوقت سارعت الحكومة الى تنظيم سلسلة من اللقاءات مع الأطراف الاجتماعية من نقابات للعمال و الأعراف للتفاوض في تطوير قانون الشغل.

إصلاحات جوهرية مبرمجة
البرنامج الحكومي لهذه السنة ركز على بعض المسائل الحيوية المتعلقة بتنقيح قانون الشغل، و بنظام التقاعد ، وإصلاح منظومة التكوين المهني، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين. وتهدف الإجراءات الجديدة إلى ضمان مزيد من المرونة في التشغيل و في فصل العمال عند الحاجة، و تقليص عدد مواطن الشغل المدعومة وكذلك الضريبة على السكن و مساهمات الشغالين في الضريبة على العمل. وهي إجراءات من شأنها أن تخفف من الضرائب للأعراف وللعمال وكذلك أن تدعم الطاقة الشرائية.

أهم الملفات الساخنة هو تنقيح مجلة الشغل التي أصبحت، حسب تقييم الرئيس ماكرون، غير مطابقة لتطور نظام الإنتاج العالمي. وهو رهان يمكن أن يشعل الشوارع الفرنسية لما له من مساس بثوابت الفكر اليساري المساند لحماية حقوق الشغالين. و أعلن الوزير الأول إدوار فيليب، في لقائه مع «بي أف أم» أنه سوف يعلن عن 5 أوامر تنفيذية الأسبوع المقبل بعد أن يختم سلسلة لقاءاته مع الأطراف الاجتماعية. في المقابل أعلنت النقابات الكبرى نيتها تنظيم مظاهرتين الأولى يوم 12 سبتمبر و الثانية يوم 23 من نفس الشهر للتعبير عن رفضها التراجع عن مكتسبات الطبقة الشغيلة.

معارضة منقسمة
تدخل فصائل المعارضة في صفوف منقسمة بعد تسونامي الإنتخابات التشريعية و الرئاسية الذي سمح لإيمانويل ماكرون بزلزلة النظام السياسي الفرنسي و افتكاك الأغلبية في البرلمان من الأحزاب التقليدية من اليمين و اليسار. التنظيم السياسي الوحيد الذي هو في حالة جيدة هو تنظيم «فرنسا الأبية» بقيادة جون لوك ميلونشون الذي تمكن من دخول البرلمان بقوة و من منافسة الحزب الإشتراكي وأخذ ما تبقى لحزب الخضر من مقاعد في البرلمان. و ينتظر الملاحظون ما سيسفر عنه الحوار الدائر بين هذا التنظيم و مختلف قيادات النقابات و في مقدمتها الكنفدرالية العامة للعمل في خصوص إدارة تنظيم المظاهرات. و سبق أن أعلن حزب ميلونشون عن نيته تنظيم مظاهرات «مليونية» في شوارع فرنسا في صورة أصرت الحكومة على عدم تقديم القوانين للنقاش في البرلمان.

اليمين السياسي من جهته يتخبط في إعادة هيكلة خطابه و مؤسساته. بالنسبة لحزب الجمهوريين، قرار انتخاب زعيم جديد في شهر ديسمبر لا يترك مجالا واسعا لخوض معارك حقيقية مع الحكومة لآن جل زعماء الحزب سوف يكونوا منهمكين في السباق السياسي الداخلي على زعامة الحزب. أما حزب مارين لوبان فهو يشكو من انشقاق بين من يريد التركيز على الخروج من نظام اليورو و من يرغب في تعميق الوجه الليبرالي للحزب الذي مكنه من المشاركة في نهائيات سباق الرئاسة. و لم تعط نتائج الانتخابات التشريعية عددا كافيا من النواب لتكون حركة الجبهة الوطنية طرفا فاعلا في الأسابيع القادمة. لكن نجاح المشاريع الحكومية تبقى محل إشكال في صورة نجحت أحزاب المعارضة و النقابات في حشد أعداد كبيرة من المواطنين في شوارع فرنسا. في تلك الصورة يمكن للمعارضة أن تسترجع بعضا من قوته. لكن إذا نجحت الحكومة في تمرير قراراتها بموافقة بعض النقابات فذلك يفتح لها بابا عريضا لتمرير مزيد من الإصلاحات، و في مقدمتها إصلاح نظام التقاعد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا