«دونالد ترامب»، العرب والإسلام نحو تفكيك إرث «باراك أوباما»

تساءل الرأي العام العربي والإسلامي عن مدى جدية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تطبيق وعوده الانتخابية المتعلقة بالإسلام والدول العربية.وجاءت القرارات الرئاسية الأولى لتؤكد مدى حرص دونالد ترامب على تغيير وجهة السياسة الأمريكية التي سنها باراك أوباما مدة ثماني سنوات

و تفكيك أسس الإرث الدبلوماسي والسياسي والعسكري لرئاسته . إعلان نية «استئصال الإرهاب الإسلامي الراديكالي» وإيقاف التأشيرات للاجئين السوريين و محاسبة بعض الدول العربية التي تتمتع بدعم أمني أمريكي، كل ذلك يدخل العلاقات الأمريكية العربية في عهد جديد لم تكتمل بعد كل تفاصيله.

يبدو أن الحرب على الإرهاب الإسلامي و تغيير السياسات تجاه العرب ليست من أولى الأولويات لدى الإدارة الأمريكية. فقد خصص ترامب أولى قراراته للشأن الداخلي (الصحة والطاقة والتجارة) و للعلاقات الاقتصادية مع العالم (إبطال معاهدات التبادل الحر). ثم أخذ قرارا يتعلق بالهجرة إلى الولايات المتحدة يوقف منح تأشيرات دخول للاجئين السوريين التي قررها أوباما السنة الماضية و أذن ببناء الحائط العازل مع المكسيك. وهدد الرئيس الأمريكي المدن الأمريكية التي تعتبر حاضنة للمقيمين الأجانب غير الشرعيين وعددها 300 . وتأتي في مقدمتها نيو يورك ولوس أنجلس اللتان عبرتا عن رفضهما تطبيق هذا القرار والتعامل مع أجهزة الهجرة.

ووقع ترامب على قرار «حماية الأمة من الهجمات الإرهابية من قبل الأجانب» تقوم الإدارة بموجبه منع التأشيرات مدة شهر على مواطني سبع دول إسلامية يعتقد الرئيس الأمريكي أنها وكر للإرهابيين وهي العراق و إيران و ليبيا وسوريا والصومال والسودان واليمن. وهي المساحة الجغرافية المستهدفة في الحرب على الإرهاب. ولم يذكر القرار دول الخليج ومصر وتونس التي تدخل منطقيا في منطقة الحلفاء القادمين.

إستئصال الإرهاب
اتسم خطاب دونالد ترامب الانتخابي بصبغة عنصرية واضحة عندما اعتبر الإرهابيين الإسلاميين «حيوانات» وجب استئصالهم من على وجه الأرض و ردد أن «الإسلام يكره الولايات المتحدة». ووعد بتخصيص جيش يضم 30ألف جندي للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية. كل هذه «المواقف» لم تتبلور بعد في سياسات واضحة لما لهذا الملف من تعقيد و لما لتشابك – وتضارب – مصالح القوى الإقليمية و الدولية من صعوبة في بلورة موقف موحد. اليوم، و بعد أن شنت الولايات المتحدة حربها على العراق في 2003، أصبحت الحركات الإسلامية المقاتلة تتواجد لا في العراق فقط بل في جل الدول العربية والإسلامية. وسايرت عمليات تهديم سوريا و ليبيا واليمن في تفشي الجماعات الإسلامية المقاتلة، المدعومة من دول الخليج والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي. وشملت العمليات الإرهابية العراق وسوريا وليبيا واليمن وتونس ومصر والسعودية وتركيا والأردن ومالي والنيجر والجزائر والصومال ونيجيريا والكامرون، ثم بعض العواصم الأوروبية. وهو ما يعقد بصورة قوية «استئصال» هذه الظاهرة الجهادية التي تشابك فيها الإرهاب بالإجرام المنظم و بالتهريب عبر الحدود و هو ما يحتم على ترامب المشاركة في تحالف دولي لإنجاح خطته. فمنذ 2013 تتزعم الولايات المتحدة تحالفا دوليا ضد الإرهاب لم يقدر على تفكيك تنظيم داعش الارهابي.

استراتيجية هجومية
في غياب سياسة أمريكية واضحة اليوم، بدأ دونالد ترامب بالتشاور مع حلفائه المباشرين، الوزيرة الأولى البريطانية و رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيمين نتانياهو. و كان الموقف من إيران هو العنصر الأساسي في المحادثات. تحييد الجانب الأوروبي و إدماج إسرائيل في مسائل المنطقة هو في حد ذاته معطى جديد لأن السياسة الأطلسية تحققت بمساهمة أوروبية فعالة. ومن جهة أخرى تفادت كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة الزج بالكيان الصهيوني في النزاعات في المنطقة. لكن قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس هو في حد ذاته عملية مقايضة في الإستراتيجية الهجومية الجديدة التي لوح بها دونالد ترامب.

وهو ما يشير إلى أن الرئيس الأمريكي سوف يصطف وراء الموقف الإسرائيلي بدعم من تيريزا ماي التي لم توقع على إعلان باريس المتعلق بالشرق الأوسط. الثلاثي الأمريكي البريطاني الإسرائيلي يظهر اليوم كالقاعدة الأساسية لدونالد ترامب في مواجهة الموقف الروسي الداعم للدور الإيراني في المنطقة و المتحالف مع تركيا في حل الملف السوري بعيدا عن المشاركة الأمريكية. كل هذه المعطيات تدخل المنطقة في المجهول و لا تعطي علامات واضحة على مدى جدية الإدارة الأمريكية في التوصل إلى تسوية للنزاعات القائمة في المنطقة والتي ساهمت فيها بقسط غير بسيط. خاصة أن دونالد ترامب يركز على المحافظة على الأمن القومي و العمل تجاه إعادة إعمار الولايات المتحدة في إستراتيجية انعزالية تتعارض و طموحات البيت الأبيض في منطقة الشرق الأوسط.

آليات التغيير و المواجهة
تعتمد الإدارة الأمريكية في تحضير إستراتيجيتها المتعلقة بالإسلام على هياكل داخلية مرتبطة بالبيت الأبيض و وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي. و قد تطورت هذه الأجهزة منذ عهد الرئيس بيل كلينتون عندما سن عام 1998 «قانون الحريات الدينية الدولية» الذي يهدف إلى الأخذ بعين الاعتبار أهمية الديانات في العلاقات الدولية و حماية الأقليات الدينية و على رأسها المسيحية في العالم و«العمل مع الحكومات الأجنبية على التأكيد على الحريات الدينية وحماية الحرية الدينية بهدف تطوير وثائق متعددة الأطراف و إجراءات لمقاومة انتهاكات الحريات الدينية و النهوض بحق الحرية الدينية في الخارج». وهو ما يفسر التقارب الواضح بين الخارجية الأمريكية وحركة الإخوان المسلمين عبر اللوبي الإسلامي المتواجد في واشنطن. و يرث دونالد ترامب تحالفا تم تأسيسه بداية من رئاسة ترامب وامتد إلى رئاسة أوباما.

وقامت الخارجية الأمريكية بإحداث ثلاث هيئات وطنية مهتمة بالشأن الديني وهي «مكتب الحريات الدينية الدولية» ويترأسه سفير و«هيئة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية» وهي هيئة فدرالية بعشرة أعضاء بالتناصف مع الكونغرس، و»مكتب العمليات تجاه المجموعات الدينية». وتخصص الإدارة الأمريكية أربعة مناصب لدبلوماسيين يسهرون على الملف الديني، من بينهم الإخواني رشاد حسين، مستشار الرئيس أوباما في مسائل الشريعة و ممثل الولايات المتحدة في منظمة التعاون الإسلامي ، بالإضافة إلى الإخواني مهدي الحسني مستشار لدى مجلس الأمن القومي و الذي ترأس جمعية الطلبة المسلمين في جامعة جورج واشنطن و مستشار آخر في مكتب الرئيس بالبيت الأبيض. واستخدمت الإدارة الأمريكية في عهد أوباما شخصيات إخوانية أخرى في مختلف الهيئات المهتمة بالشأن الإسلامي مثل لؤي السافي في البنتاغون ، و فرح بنديت في وزارة الخارجية، و عارف علي خان و الإمام محمد مجيد و محمد الأبياري في مجلس الأمن القومي وسلام المراياتي مستشار أوباما.

كل هذا الطاقم تم توجيهه في عهد هيلاري كلينتن نحو التعامل مع الإخوان المسلمين تحت تأثير مستشارتها الخاصة هوما عابدين التي كانت رئيسة تحرير جريدة «قضايا الأقلية المسلمة» الأمريكية والتي تديرها أمها المحجبة، عضو حركة الإخوان المسلمين، تحت رئاسة عبد الله عمر نصيف ، نائب رئيس سابق لمجلس الشورى السعودي و أمين عام المؤتمر الإسلامي العالمي للدعوة و الإغاثة. و سبق أن أسس هذا الأخير مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية بتمويل قطري قبل أن يحول إلى الدوحة تحت رئاسة الناشط الإخواني طارق رمضان.

مع تغيير التوجه السياسي نحو مكافحة الإسلام الراديكالي وتكليف أربعة صقور بمهام الأمن القومي والداخلية و العدل والمخابرات عبروا عن عدائهم للإسلام الراديكالي سوف ننتظر التغييرات في هذه المؤسسات لرصد التوجهات الجديدة لإدارة دونالد ترامب في المنطقة الإسلامية. لكن الأكيد أن للكونغرس الأمريكي دورا فعالا في تحديد التوجهات الجديدة بعد أن سن قانون «جاستا» ،الذي يسمح بمقاضاة الدولة السعودية على خلفية هجمات 11 سبتمبر 2001، وشرع في نقاش قانون يجرم حركة الإخوان المسلمين. و من المرشح أن تنقض الإدارة الأمريكية الجديدة عهدها مع حلفاء باراك أوباما وهيلاري كلينتون و تجد صيغة للتعامل مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج – أين استثمر ترامب في العقارات– المتحالفين مع مصر للتخلي عن دعم الجماعات المقاتلة في العالم الإسلامي. و سوف يسهل العلاقات مع دول الخليج الطاقم اللبناني الأصل، من الطائفة المارونية التي لها حضور متميز في منطقة الخليج، التي تدور في فلك الرئيس ترامب تحت قدوة مستشاره وليد فارس و بدعم من عيسى داريل وطوم باراك (هيئة الأمن القومي للمرشح الجمهوري) والقاضية جانين بيرو والنائبين رالف أبراهام و دارين لحود. و جلهم من أنصار التحالف مع المحافظين الجدد واللوبي الإسرائيلي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا