قمة سمرقند لمنظمة شانغهاي للتعاون: بين فرض «بديل استراتيجي» للقوى الغربية والرغبة في إيقاف الحرب على أوكرانيا

أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الخميس 15 سبتمبر 2022 في سمرقند (أوزباكستان)،

في أول يوم للقمة 21 لمنظمة شانغهاي للتعاون، أن «الصين جاهزة للقيام بمجهودات مع روسيا من أجل ضمان دورهما كقوتين عظمتين ولعب دور قيادي من شأنه أن يدخل الاستقرار والطاقة الإيجابية في عالم مهزوز بالاضطرابات الاجتماعية». من جانبه ندد فلاديمير بوتين بما اعتبره «استفزاز الولايات المتحدة» في مسألة تايوان ملتزما بمبدإ «الصين الواحدة» الذي يحتم أن تكون تايوان جزءا لا يتجزأ من التراب الصيني، وذلك على خلفية زيارة رئيسة الكونغرس الأمريكي نانسي بيلوسي لتايوان. وأضاف: «إن محاولات خلق عالم ذا قطب وحيد اتسمت مؤخرا بشكل بشع وهي غير مقبولة.»
انطلقت قمة سمرقند التي شارك فيها 15 دولة ضمت البلدان المؤسسة وهي روسيا والصين والهند وباكستان وقزخستان وأوزباكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، إضافة إلى إيران كعضو تاسع جديد وبيلاروسيا ومنغوليا، وهما عضوان ملاحظان، وأرمينيا وأذربيجان والنيبال، وسريلانكا،وكمبوديا، وتركيا. من بين هذه البلدان، روسيا وإيران تخضعان لعقوبات غربية صارمة بسبب الملف النووي والحرب على أوكرانيا.
«جبهة رفض»
وأرادت روسيا والصين إضفاء «وجه معارض» على القمة للسياسات الغربية بإقرار مناورات عسكرية مشتركة على التراب الروسي بمشاركة روسيا والصين والهند وسوريا وإيران، وتشكيل دورية بحرية في المحيط الهادي بين البحريتين الصينية والروسية. وكأن الدولتين العظمتين أرادتا بعث رسالة واضحة للولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول الغربية الحليفة عن رفضهما لسياسة الهيمنة الدولية التي تحاول فرضها على العلاقات الدولية.
وأصبح جليا أن الصين التي تدعم مبدأ «عالم متعدد الأقطاب» تريد في كل مناسبة دولية دعم مشروعها لطرق الحرير الجديدة الذي يعتمد على استقرار المنطقة الآسيوية التي بدونها لن تنجح في بسط نفوذها الإستراتيجي كأول اقتصاد دولي في السنوات القليلة القادمة. وتشكل دول مجموعة شنغهاي للتعاون قطبا سياسيا واقتصاديا على الساحة الدولية إذ تشمل 40% من سكان العالم وتزن 25% من الاقتصاد الدولي.
وفي حقيقة الأمر، لكل دولة هدفها من المشاركة في القمة. وقد ركزت الأشغال على «الأزمات» التي تهدد استقرار المنطقة وفي مقدمتها أفغانستان وأوكرانيا والتقلبات الاجتماعية في بعض بلدان آسيا الوسطى. واعتنت القمة كذلك بالتنسيق في ظروف الأزمة ومحاولة نسج تقارب ومواقف موحدة في شأنها. لكن العملية لا تزال معقدة بسبب تمسك كل دولة بسياساتها التي تفرضها مصالحها الإستراتيجية.
«بديل» للمنظمات الغربية؟
تواجد ممثلين في سمرقند عن 3 مليارات نسمة في العالم وزعماء أربعة دول نووية (روسيا والصين وباكستان والهند) أعطى لهذه المناسبة صبغة خاصة أراد منظموها أن تظهر للعالم «بديلا» عن هيمنة المنظمات الغربية وفي طليعتها منظمة الحلف الأطلسي والمنظمات المالية الأمريكية. ولئن لم تكن منظمة شانغهاي للتعاون تجمعا عسكريا الا ان المناورات المنظمة على هامش القمة تشير إلى جاهزية البلدان المشتركة للضغط على الدول الغربية من أجل إرساء «نظام دولي عادل» حسب العبارة الصينية الروسية.
عند تشكيلها عام 2001 لم يكن الهدف إقرار منظمة عسكرية مثل الحلف الأطلسي أو ادماج البلدان المشاركة في مشروع وحدوي مثل الإتحاد الأوروبي، بل كان الهدف التنسيق فيما بين الدول لبسط الاستقرار وحماية السلم الاجتماعية من أجل تطوير القدرات الاقتصادية للبلدان الأعضاء. لكن الحرب على أوكرانيا لا تخدم في واقع الأمر مصالح البلدان المشاركة بسبب فرض العقوبات وسحب روسيا من منظومة «سويفت» المالية وتهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على كل شركة أو دولة تستعمل الدولار في مبادلاتها مع روسيا. وهي شروط خطيرة في إطار نظام العولمة الذي تلعب فيه العملة الأمريكية دورا أساسيا والذي يربط اليوق الأمريكية بجل أسواق العالم. لكن محاولة الدول النامية الكبرى غير الغربية ضمان ظروف النجاح لاقتصادها ولنموها في إطار العولمة وضعها أمام رهان تشكيل قوة مضادة تساعدها على الصمود امام الهيمنة الغربية. لذلك قررت دول «البريكس» عام 2014، والتي تضم الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب افريقيا، العمل على بعث بنك دولي موازي، ومقره مدينة شانغهاي الصينية، من أجل الخروج من وطأة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تسيطر عليهما واشنطن. وقد تقررأن تساهم كل دولة بقيمة 10 مليار دولار في رأس المال هذا البنك مع الرفع في محصوله تدريجيا بقيمة 100 مليار دولار. وتقرر كذلك تشكيل مخزون احتياطي بما قدره 100 مليار دولار تساهم الصين فيه ب 41 مليار وكل من البرازيل وروسيا والهند ب 18 مليار على أن تكون مساهمة جنوب افريقيا 5 مليارات. هذه المؤسسة المالية تدخل في نسيج التصدي للهيمنة الغربية ومساعدة الدول النامية الكبرى على تحقيق تمويلات خارجة عن النطاق الغربي. وهو نفس المنطق الذي جعل روسيا تؤسس هذه السنة شبكة تبادل مالي داخلية للفدرالية الروسية يمكن استخدامها من قبل باقي الدول المشاركة في القمة لضمان التبادل التجاري ولمنع أي عقوبة مالية من واشنطن.
مودي يطالب بوتين بوقف الحرب على أوكرانيا
يبدو من تصريحات بعض الزعماء في القمة أن هذا الوفاق الإستراتيجي المبرمج لفرض توازن دولي تدريجيا على الطريقة الصينية تم ارباكه باندلاع الحرب على أوكرانيا. ذلك ما يفسر الموقف الصيني المعتدل الذي لم يدعم الحرب على أوكرانيا ولم يندد بها أيضا. بل أن بيكين حرصت، كما فعلت خلال قمة سمرقند، على توجيه المفاوضات نحو حماية مصالحها الإستراتيجية التي تحتاج إلى استتباب الأمن والسلم في منطقتها. ولوحظ أن الرئيس سي جين بينغ لم يذك بالمرة أوكرانيا في محادثاته مع فلاديمير بوتين والرؤساء المشاركين. واكتفى بالتعبير عن «قلق» بلاده من مواصلة حالة عدم الاستقرار.
أما رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي فقد كان له موقف علني مخالف عند لقائه الرئيس الروسي يوم الجمعة 16 حيثقال له في لقاء متلفز مباشرة «أنا أعرف أن الزمن اليوم ليس زمن حرب، وقد كنت صارحتك به من قبل عبر الهاتف.» وأمام تحفظات بيكين وأنقرا على الموقف الروسي، رد بوتين على مودي قائلا: «أنا أعرف موقفك من النزاع في أوكرانيا والمخاوف التي تعبر عنها ديما (...) سوف نقوم بكل ما في وسعنا لإيقاف ذلك في أقرب وقت.»
واستنتج جل المحللين من ذلك أن الرئيس الروسي، بالرغم من عرض مشهد «التوافق» مع روسيا، قد واجه خلال محادثاته موقفا رافضا للحرب من قبل الصين والهند وتركيا. من ذلك أن القمة لم تذكر أي موضوع له صلة بالحرب على أوكرانيا أو بمد المساعدة العسكرية لموسكو. بل ركزت المحادثات على الأزمة في أفغانستان وفي البلدان الشرقية والعمل على تهدئة الوضع في المنطقة الآسيوية المهددة ب استراتيجية «الثورات الملونة» التي تتخذها الولايات المتحدة سبيلا لهز استقرار المنطقة.
مصالح مشتركة وأخرى متضاربة
عموما، ركزت المحادثات الثنائية على مسائل التعاون التجاري والاقتصادي وتنمية القدرات المالية لدول المنطقة. وقررت الصين في هذا الصدد رفع سقف وارداتها من الغاز الروسي. وكانت قد خصصت ميزانية قدرت بحوالي 400 مليار دولار لضمان مخزون استراتيجي في ظل التقلبات العالمية. لكن الخبراء يعتقدون أن الصين ليس لها القدرة التقنية لتغطية خسارة روسيا بالكامل في هذا المجال وأن بيكين يمكنها أن تلعب دورا إيجابيا في موضوع وقف إطلاق النار في أوكرانيا إذا استخدمت ملف الغاز. لكن ذلك يبقى رهينة الموقف الأمريكي من تايوان ومن القبول بدور صيني على المستوى العالمي والتخلي عن الموقف العدائي في المحيط الهادي.
وأقرت الهند من جانبها الترفيع في شراء الغاز الروسي لتصبح ثاني مورد بعد الصين. لكن ذلك يدخل في إطار سياسة ضمان الموارد في الطاقة لتحقيق النمو الاقتصادي الصيني المبرمج.باقي البلدان المشاركة نهجت نفس المنهج لمساعدة روسيا على بيع غازه الطبيعي دون الدخول في معاملات أخرى خشية من العقوبات الأمريكية ومن تغيير الموقف الأوروبي تجاهها. وبالرغم من تداعيات الأزمة الأوكرانية فيبقى لمنظمة شانغهاي للتعاون بريق واشعاع يفتح الباب أمام التحاق عدد كبير من بلدان الجوار بهذه المؤسسة.
المحرك الصيني الروسي
وبالرغم من احترازات السلطات الصينية في الداخل التي كانت إلى حدود العشرية الماضية تصنف روسيا ك»عدو» لها فإن سياسة الرئيس سي جين بينغ عدلت الموقف وأرست علاقات ثنائية متميزة واستراتيجية لخدمة مشروع طريق الحرير. وهو المحدد الرئيسي في التوجه الصيني الذي يحدد مسائل التحالف والتعاون. وقد أكد الرئيس الصيني أن بلاده «تعمل مع روسيا لدعم المسائل المشتركة المتعلقة بالمصالح الأساسية للبلدين وتعميق التعاون.» لكن بيكين تبقى حذرة في علاقاتها الدولية. من ذلك أنها قبلت شراء الغاز باستعمال الروبل الروسية والعملة الصينية لتفادي المشاكل مع واشنطن.
ورغم تقلص الاستثمارات العمومية الصينية في روسيا، فقد فرضت بيكين، في إطار مساعدتها لروسيا، أن تفتح موسكو أسواقها للاستثمار الصيني وللشركات الصغرى والمتوسطة التي لا تتعامل مع السوق الأمريكية والتي يمكنها تزويد روسيا بدون الخوف من العقوبات الغربية. ويأتي في مقدمة هذه المشاريع الاستثمار في حقول الغاز والنفط الروسي الذي كان حرصا على الشركات الروسية. وتم الاتفاق على ربط روسيا والصين بشبكة جديدة من الأنابيب لنقل الغاز عبر الحدود المشتركة تستخدم بداية من عام 2025.
الموضوع الثاني الأساسي هو حاجة روسيا من أشباه المصلات التي هي قطع أساسية تدخل في صناعة الطائرات وكل أنواع الحافلات الحديثة بما في ذلك العتاد العسكري. وقد أصبحت روسيا في حاجة ملحة لهذه المعدات لدعم مجهودها الحربي بعد أن فرضت عليها الدول الغربية حصارا صارما على تلك المواد وكل أنواع قطاع الغيار الحربي والمدني. وهو ما جعل رجال الأعمال في روسيا يتذمرون من الوضع الجديد الذي أصبح يهدد مؤسساتهم الصناعية.
وأصبحت روسيا حلقة أساسية في مشروع طريق الحرير التي تمر عبر روسيا وأفغانستان وإيران. وذلك ما يفسر ربط موسكو بأوروبا عبر شبكة لسكك الحديد بطول 10000 كلم. وتخطط بيكين بسط شبكات مماثلة لربط الصين ببلدان آسيا الجنوبية والشرق الأوسط وافريقيا. وهو ما تقرر في لقاء سي جين بينغ بصاديرجاباروف رئيس قيرغيزستان حيث تم الاتفاق على إرساء شبكة لسكك الحديد لربط الصين قيرغيزستان وأوزباكستان.
تقارب روسي إيراني
الحدث الآخر في القمة هو التقارب الروسي الإيراني حيث أعلن الرئيس إبراهيم الرايسي، إثر لقائه فلاديمير بوتين يوم الخميس، أن «إيران عازمة على دعم علاقاتها مع روسيا في الميادين الاقتصادية والفضائية والسياسية». وهو في حد ذاته نجاح دبلوماسي يفرضه اللقاء بالرغم من أن البلدين يخضعان لعقوبات صارمة من قبل المعسكر الغربي. أما فلاديمير بوتين فقد أشار أن وفدا روسيا يضم 80 مؤسسة روسية كبرى سوف ينتقل إلى إيران الأسبوع القادم لدراسة المشاريع المطروحة على طاولة التعاون بين البلدين.
كل العلاقات بين البلدان المشاركة في قمة سمرقند تدخل في إطار التعاون الاقتصادي. وكان من الواضح أن الصين، وهي الفاعل الأساسي في القمة، لا ترغب في الدخول في «حرب اقتصادية». لذلك أكد الرئيس سي جين بينغ على ضرورة وقف الحرب في أوكرانيا وفتح حوار «يأخذ بعين الاعتبار المصالح الأمنية المشروعة» لكل البلدان المعنية. وهو موقف تسانده القوى الفاعلة الصينية الداخلية التي تعمل على ضمان ولاية ثالثة للرئيس سي جين بينغ في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني المبرمج لشهر أكتوبر القادم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا