جدل حاد في فرنسا حول القانون الجديد لحماية الأمن العام: الأمم المتحدة تحذر من «التعدي على دولة القانون»

دخل الرأي العام الفرنسي في جدل حاد حول إقرار قانون جديد لحماية الأمن العام بعد أن شرع البرلمان في دراسته وارتفعت الأصوات في صفوف الصحافيين

والنشطاء في المجتمع المدني وأحزاب اليسار المعارض لتندد بما اعتبرته «تضييقا على حرية التعبير» وقمعا للحريات في علاقة المواطن بأجهزة الشرطة.

وكان وزير الداخلية جيرالد درمانان قد قدم مشروع قانون جديد يرمي أساسا إلى حماية رجال الأمن الذين أصبحوا في الأشهر الأخيرة عرضة للعنف وللهجمات الدامية التي ذهب ضحيتها عدد من أعوان الشرطة بعد أن شهرت بهم حملات على مواقع التواصل الاجتماعي ذهبت بعضها إلى نشر صورهم والنداء إلى الاعتداء عليهم. ويهدف القانون إلى تقنين تنظيم أعمال أعوان الحراسة الخاصة إلى جانب تجريم نشر صور لأعوان الشرطة على شبكات التواصل الاجتماعي. وينص المشروع على إلحاق عقوبة بالسجن تصل إلى عام مع خطية مالية ب 45 ألف يورو لكل شخص مدان بتهمة نشر صور للشرطة.

وكانت الشوارع الفرنسية قد شهدت منذ سنتين مشاهد متكررة لتدخلات عنيفة لأعوان الشرطة والحرس الجمهوري خلال مظاهرات السترات الصفراء والنقابات والتي تخللتها مصادمات عنيفة. وبثت مختلف أجهزة الإعلام صورا لتلك التدخلات ومشاهد للعنف المسلط على أعوان الأمن خاصة خلال مظاهرات السترات الصفراء. وتفاقمت عمليات العنف ضد الشرطة والتي استهدفت في عديد المدن الفرنسية في مقراتها من قبل مجموعات من مجرمي الحق العام المتورطين في شبكات تهريب المخدرات أو مجموعات من سكان ضواحي المدن الكبرى إثر تدخلات دامية للشرطة. وكانت «المغرب» قد أوردت سابقا تقارير في هذا الموضوع.

جدل عميق وتخوفات حقيقية
تمحور الجدل حول البند 24 من مشروع القانون الذي ينص على «منع نشر صور لوجه أعوان التدخل أو أي شيء يمكن من التعرف على هويتهم باستثناء رقم تسجيلهم» في صفوف الشرطة. ويجرم القانون المطروح للنقاش في البرلمان التشهير والهرسلة والوعيد ضد أعوان الأمن. وهو مطلب قديم لنقابات الشرطة وفي مقدمتها نقابة «أليانس» المعروفة بقربها من أحزاب اليمين المتطرف والتي استجاب لمطالبها وزير الداخلية جيرالد درمانان. في المقابل يمكن القانون الجديد من تعميم استخدام الكاميرات المحمولة وبث صورها مباشرة لمراكز المراقبة وكذلك الطائرات بدون طيار (الدرون) من قبل الشرطة.
وحسب نقابات الصحفيين يشكل هذا البند انتهاكا لحرية الصحفيين في نقل الأحداث في الطريق العام. وهو اجراء يمكن أن يمنع الصحفيين والمتظاهرين من تصوير عمليات القمع خلال المظاهرات أو خارجها والتي أظهرت في الأشهر الماضية ضلوع بعض أعوان الشرطة في انتهاكات ضد المواطنين أدت بعضها إلى الموت. في حين تعتبر وزارة الداخلية أن المنع لا يتعلق بالتصوير و البث بل باستخدام الصور للتشهير بأعوان الشرطة خلال قيامهم بعملهم الجمهوري.

مظاهرة أمام مقر البرلمان
ودعت عديد المنظمات النقابية للصحفيين ورابطة حقوق الإنسان إلى مظاهرة أمام البرلمان يوم الثلاثاء 17 نوفمبر شارك فيها مئات من المسؤولين النقابيين والصحفيين والمحامين والطلبة في معاهد الصحافة ومتظاهرين حاملين لسترات صفراء وبعض النواب اليساريين في البرلمان. وانتهت المظاهرة بتدخل عنيف للشرطة استخدمت فيه الغازات والمياه لتفريق المتظاهرين. واعتبرت ذلك عديد المنظمات برهانا على العنف والقمع المسلط على حرية التظاهر والتعبير والذي اعتادت الشرطة على اعتماده منذ سنين.
وقامت الشرطة باعتقال 33 شخصا من بينهم صحفي بعمل في قناة «فرنسا 3» العمومية وقد تم إيداعه في الإيقاف التحفظي لمدة 12 ساعة قبل إطلاق سراحه أمام الضجة التي وردت من صلب مؤسسة «فرانس تليفزيون» التي عبرت عن «تنديدها بالتضييق على حقوق الصحافة». وهي خطوة غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة التي تعتبر الصوت الرسمي للنظام الجمهوري.

تنبيه من الأمم المتحدة
وتتالت التنديدات من قبل الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان لما اعتبروه اعتناقا من قبل وزارة الداخلية لأطروحات اليمين المتطرف الرامية إلى الحد من الحريات وفي مقدمتها حرية الصحافة في حين أكد الرئيس ماكرون على التزامه بتلك الحرية مما سبب له مشاكل مع بعض الدول الإسلامية بعد أن دافع عن حرية الصحافة وحرية نشر الكاريكاتير على خلفية مقتل الأستاذ سامويل باتي. والتحقت نقابة الحكام بالركب منددة بالقانون الجديد صحبة السيدة كلار هيدون المدافعة على الحقوق. وأصدر مجلس حقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمم المتحدة تنبيها للحكومة الفرنسية في هذا الشأن ورد في رسالة رسمية نابعة عن تقرير قامت به مجموعة من الخبراء الأمميين جاء فيه أن مشروع القانون «يحد بصورة غير متوازنة الحريات الأساسية « وأنه «يمكن أن يضر بدولة القانون». وكان من بين الحيثيات المعتمدة أنه قانونيا لا يمكن للقوات العامة أن تخفي هويتها في حالة قيامها بعملها. وتزامن التنديد الأممي مع تقديم الكتل البرلمانية أكثر من 1300 تنقيح للقانون وتهديد عدد غير قليل من نواب الحزب الرئاسي «الجمهورية إلى الأمام» بعدم التصويت لفائدة البند 21 محل الجدل. وهو ما سوف يجبر الحكومة على أن تعتمد على أصوات الأحزاب اليمينية لتمرير القانون في صيغته الحالية. بكن بعض النواب في البرلمان وفي مجلس الشيوخ عبروا عن رغبتهم التوصل إلى صيغة توافقية من شأنها أن تحمي رجال الأمن عند القيان بعملهم، وهو مطلب اعتبروه مشروعا، مع الحفاظ على حرية التعبير للصحفيين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا