أنجيلا ميركل في زيارة إلى فرنسا...بوادر لتقارب وشيك؟

قامت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بزيارة إلى برج بريغنسون الإقامة الصيفية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وجه إليها استدعاء

اعتبره قصر الأيليزي «خارقا للعادة» بعد أن تم استدعاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في السنة الماضية. وهي أول زيارة لميركل للبرج منذ توليها الحكم قبل 15 عاما. وتزامنت هذه الزيارة مع اندلاع قضية تسميم ألكساي لفالني المعارض الروسي لفلاديمير بوتين وتواصل المظاهرات في بيلاروسيا.

قدوم ميركل لفرنسا يدخل في إطار بلورة استراتيجيتها لما بقي لها من فترة في الحكم قبل اعتزالها خلال عام 2021. واتفقت مع ماكرون على نقاش المواضيع الساخنة و في مقدمتها وضع الإتحاد الأوروبي بعد توحيد الصفوف في القمة الأوروبية الأخيرة و إقرار ميزانية بلغت 750 مليار يورو لمقاومة تداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد الأوروبي. إضافة لذلك الموضوع ناقش الطرفان الموقف من تركيا والقضية الليبية والأزمة في بيلاروسيا و الإنقلاب العسكري في مالي إلى جانب الوضع في لبنان. وكان هدف المستشارة في هذه المواضيع تقريب وجهات النظر مع حليفها الأول قصد تحقيق الخطوات العملية التي تخدم مصلحة ألمانيا في المرتبة الأولى.

خلاف دفين حول الموقف من تركيا
لم يتعرض الزعيمان خلال، مؤتمرهما الصحفي، للخلافات بينهما في مسألة الموقف من تركيا وروسيا بل أظهرا «توافقا» على الخطوط العريضة بسبب تداعيات تلك الخلافات على ما يمكن أن يفرضه الواقع السياسي في ليبيا ومالي حيث تتعاون ألمانيا وفرنسا على فرض حل سياسي في شمال إفريقيا ومقاومة المد المتطرف في الساحل الإفريقي. وكانت أنجيلا ميركل قد عبرت قبل اللقاء على عدم مسايرة باريس في موقفها الحازم من تحركات تركيا في البحر الأبيض المتوسط وفي ليبيا وذلك بسبب الروابط الاقتصادية مع أنقرة ومصلحة ألمانيا في عدم تحريك الشارع التركي في مقاطعات ألمانيا التي بعيش فيها أكثر من 3 ملايين من الأتراك. وتبين أن ألمانيا لا تقبل ضمن استراتيجياتها إلا السياسات التي تخدم مصالحا مباشرة.
أما باريس فقد وقفت إلى جانب اليونان في أزمته مع تركيا وحركت ناقلة طائرات مروحية عسكرية وباخرة عسكرية لمساندة أثينا مهددة بالدخول في معركة مع أحد الحلفاء في منظمة الحلف الأطلسي. وهو ما لاقى معارضة صريحة من واشنطن التي لا ترغب في دخول الأسطول الفرنسي الى البحر الأبيض المتوسط مرتع للأسطول السادس الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية. في هذا الإطار عبر الثنائي ميركل وماكرون على «وجهة نظر واحدة» تقضي بضمان سيادة و استقرار شرق المتوسط. وهو ما يمكن تفسيره بعدم قبول التغول التركي، لكن ذلك لا يوضح إلى مدى سوف يذهب الطرفات في تحقيق ذلك.

باريس وبرلين في التسلل
أما في الموضوع الليبي فبقيت باريس وبرلين في التسلل بعد موقف مصر الحازم الذي هددت فيه بالتدخل العسكري لحسم المسألة في طرابلس وهو ما جعل تركيا تقبل بوقف إطلاق النار والتوجه إلى حل سياسي. ولم يكن لقمة برلين حول ليبيا أي أثر في تسهيل العملية السياسية بل أن التدخلات العسكرية الخارجية من قبل تركيا ومصر هي التي أفرزت بوادر حل ممكن. مناقشة الوضع في ليبيا بين ماكرون وميركل تمحور حول دعم الموقف الأوروبي حتى لا يفلت الفضاء الليبي من مستقبل أعمال إعمار البلاد واستغلال نفطها.

دعم العلاقة مع موسكو
الموضوع الآخر الخلافي هو العلاقة مع موسكو. وحرصت ميركل على إقناع ماكرون بضرورة تشريك فلاديمير بوتين في التوصل إلى حل للأزمة في بيلاروسيا. لذلك أعلن ماكرون في الندوة الصحفية المشتركة على مقترح مشاركة موسكو والحكومة في بيلاروسيا والمعارضة والمجتمع المدني في التوصل إلى حل يدعم التمشي الديمقراطي على أن يكون الإتحاد الأوروبي جاهزا للمشاركة إذا ما طلب ذلك منه. وهو الموقف الألماني المعلن سابقا. في المقابل قبلت ميركل، التي تسهر على الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والتي تفوق 90 مليار يورو من المبادلات سنويا، أن يطالب الطرفان بالتحقيق في مسألة تسميم المعارض ألكسي لفالني. وتمكنت الدبلوماسية الألمانية من الحصول على ترحيل المعارض إلى مستشفى في ألمانيا لتلقي العلاج.

إشراك بوتين في المشاورات حول بيلاروسيا يخدم التوجه الألماني الذي يرغب في تفتح هذه الأخيرة على السوق المشتركة الأوروبية التي أصبحت فيها ألمانيا المحرك الأساسي. لكن في نفس الوقت يسهل ذلك الحصول على مساندة موسكو في الملف الليبي وفي أزمة مالي. وبالتحديد تشترك فرنسا وألمانيا في مقاومة الحركات الارهابية في إطار برنامج برخان الفرنسي ومجموعة دول الساحل الإفريقي. وهو ملف لا ترى موسكو حرجا في مساندته لتقليص دور تركيا في دعم الحركات المتطرفة في مالي والتي تحركت منذ أشهر للإطاحة بالرئيس إبراهيم أبوبكر قبل الانقلاب العسكري.
التقارب الفرنسي الألماني المعلن و الذي يكرس ما حصل من توافق خلال أزمة كورونا يخفي في الحقيقة الفرق بين استراتيجية ميركل البرغماتية التي ترجع كل عمل دبلوماسي للتقييم حسب المصلحة الألمانية العليا، وهي بالأساس دعم هيمنتها على الفضاء الأوروبي كمنطقة نفوذ ألمانية، و الموقف الفرنسي التقليدي، وغير المتجدد، الذي يريد الحفاظ على مناطق نفوذه التاريخية في منطقة المغرب العربي وإفريقيا دون أن يكون لباريس القدرة على التحرك بمفردها لضمان نفوذها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا