إتفاق الساعة الرابعة والنصف حول ميزانية إنعاش الاقتصاد الأوروبي: ماكرون: «يوم تاريخي في أوروبا»

بعد نقاش وعناء ومفاوضات حادة مدة أربعة أيام كادت تعصف بالاتحاد الأوروبي أعلن رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال في تغريدة له في الساعة الرابعة

و النصف من صباح يوم الثلاثاء 21 جويلية عن التوصل إلى «اتفاق» بين الدول الأعضاء حول ميزانية إنعاش الاقتصاد بعد جائحة كورونا. وكانت المفاوضات قد تعطلت بسبب رفض البلدان الشمالية المتقشفة وفي طليعتها هوندا مبدأ مقاسمة الديون. لكن في آخر وقت تمكن المجلس من التوصل إلى حل وسط يراعي مطالب كل البلدان المعنية.

وكان المجلس الأوروبي عقد أول اجتماع بحضور الزعماء الأوروبيين بعد جائحة كورونا التي حالت دون مشاركتهم الجسدية. وانتهت القمة بثاني رقم قياسي في طولها بعد قمة نيس عام 2005 التي أدخلت تنقيحات على إتفاق الوحدة. واعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تغريدة على شبكة تويتر «مع ألمانيا جعلنا مخطط الإنعاش ممكنا. شكرا لأنجيلا ميركل و أورسولا فن در لاين وشارل ميشال و كل الشركاء الأوروبيين الذين قاسمونا هذا الطموح. منذ عملة اليورو لم نعش تقدما مثل هذا».

انتصار سياسي لصالح الاندماج
العبرة الأولى التي يجب ملاحظتها في القمة هي التوصل، لأول مرة في تاريخ الإتحاد ،إلى تطوير مشروع سياسي من نوع فيدرالي يهدف إلى دعم التضامن بين البلدان الأعضاء. ولم تكن ولادة هذا التوجه سهلة – ككل المحطات الإيجابية من قمة ماستريخت وبعث اليورو إلى قمة نيس وإرساء الدستور – بل كسابقاتها لعبت الخصوصيات والتوجهات الإيديولوجية والبرغماتية دورها في تهديد الوحدة ثم في لم صفوف الجميع حول مشروع مشترك يأخذ بعين الاعتبار ، لأول مرة، مبدأ التضامن المالي و يسمح بتقاسم الأعباء بين الشركاء في المشروع الأوروبي. ولم يكن لهذا التوجه الذي ناضل من أجله الرئيس الفرنسي ماكرون أن ينجح بدون تحول الموقف الألماني يوم 18 ماي الذي وجد فيه دعما للمصلحة الوطنية الألمانية وتخلى عن دعم البلدان الداعية للتقشف.

الدرس الثاني من هذه القمة يكمن في قدرة الإتحاد الأوروبي على إشهار ودعم وحدته بعد أن عانى من البريكستو كاد ينفلت من جراء تعنت البلدان الداعية إلى التقشف. أن يخرج زعماء أوروبا موحدين حول مشروع مستقبلي ، في إطار نظام عالمي متشتت يشهد تصاعدا للسياسات القومية الانعزالية، يعطي ذلك للعالم صورة على قدرة أوروبا على الصمود و يمنحها سلطة معنوية في العلاقات الدولية المتشعبة بعد أن دخلت في أزمة اقتصادية حادة من جراء جائحة كورونا.

ميزانية ضخمة
الميزانية المعلنة للمفوضية قررت ب 750 مليار يورو تصرف على سنوات للتدخل لفائدة البلدان الأكثر تضررا من جائحة كورونا التي خلفت أكثر من 200 ألف وفاة مع دخول الاقتصاد الأوروبي في ركود تاريخي لم يسبق لأوروبا أن عاشته منذ الحرب العالمية الثانية. الاتفاق تمحور حول تخصيص 390 مليار يورو كمنح أوروبية حتى سنة 2023 للبلدان المتضررة من الأزمة الصحية، وهي عموما بلدان جنوب أوروبا. أما ما تبقى فسوف يصرف كقروض تضمنها المفوضية الأوروبية.
يضاف هذا المبلغ الضخم إلى ما قدمه البنك المركزي الأوروبي للميزانية الأوروبية (1074 مليار يورو) للفترة ما بين 2021 و2027. وسوف تغنم فرنسا من الميزانية 40 مليار يورو وإسبانيا 60 مليار يورو وإيطاليا 70 مليار يورو. في المقابل حصلت مجموعة البلدان التقشفية (هولندا والسويد والنمسا والدانمارك وفينلندا) على تخفيض في مساهماتها في الميزانية العامة لإتحاد في حين تمكنت بولندا والمجر من عدم التنصيص على ربط المساعدات باحترام دولة القانون. وهكذا يخرج الجميع منتصرا لدى الرأي العام الوطني.

سحب مستقبلية
الاتفاق الحاصل بعد عناء لن يخفي المصاعب التي سوف تواجهها المفوضية في الاقتراض في السوق العالمية وفي برمجة سد هذه الديون. الموقف الأوروبي الموحد يساعد بروكسل على الخروج للسوق المالية العالمية التي هي تنتظر مثل هذه التوجهات. ولن يكون صعبا للمفوضية التي تحضا بنقط ترتيبية من صنف «أ» لدى مختلف الوكالات وفي مقدمتها «موديز». لكن سداد الأموال يعني إما فرض رسوم جديدة على الأوروبيين – وهو مرفوض من الحكومات ومن الرأي العام – وإما إدراج رسوم جديدة لمقاومة تفشي الكربون و استخدام النظم الرقمية وهي التي تحبذها كل الأطراف.
يبقى على كل البلدان أن تنظم المصادقة على 50 قانونا متعلقا بهذا الاتفاق على مستويات مختلفة: البرلمان الأوروبي والبرلمانات الوطنية والجهوية. وترغب كل الأطراف ، خاصة منها البلدان المتضررة، أن تنتهي هذه العملية في أقرب الآجال أي قبل نهاية السنة الحالية لتمكين الحكومات من الدخول في عملية إرساء منوال اقتصادي جديد أساسه مقاومة الاحتباس الحراري والتحول الإيكولوجي الذي، حسب جل علماء الاقتصاد، هو المنوال العالمي القادم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا