تحوير حكومي واسع في فرنسا: توازنات سياسية لخدمة برنامج الإصلاحات و الاستقرار الحكومي

قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء 16 أكتوبر إدخال تعديل واسع على حكومة الوزير الأول

إدوارد فيليب أسبوعين بعد استقالة وزير الدولة للداخلية جيرار كولومب أحد الوجوه المؤسسة لحركة «الجمهورية إلى الأمام» بمعية الرئيس الفرنسي. التشكيلة الجديدة تشير إلى إعطاء توجه سياسي للتغيير يعتمد دعم و توسيع التوازنات داخل الأغلبية البرلمانية و إعادة هيكلة الحكومة وفقا لضمان نجاعة الإصلاحات المبرمجة للسنوات المتبقية من ولاية الرئيس ماكرون.

أهم تعيين هو تكليف كريستوف كستنار بوزارة الداخلية، وهو أحد الوجوه المقربة المشهور بالولاء لشخص و سياسة الرئيس، و تعيين لوران نوناز ، مدير الأمن الداخلي، في رتبة كاتب دولة للداخلية. لكن التغيير الذي، حسب قصر الإيليزي يندرج في إطار مواصلة برنامج الإصلاحات، أدخل تغييرات على هيكلة الحكومة عبر تشكيل أقطاب وزارية جديدة تشمل التحول الإيكولوجي و تماسك الجهات و الجماعات المحلية و التربية. وهي وزارات تم دعمها بجملة من الوجوه الجديدة مع غياب «الفيلة» أي الوجوه السياسية المعروفة منذ عقود.
في الجملة غادر الحكومة أربعة من الوزراء (فرانسواز نيسان و جاك ميزار و ستيفان ترافار و دلفين جيني ستيفان) و دخلها ثمانية وجوه جديدة (فرانك ريستار و مارك فيسنو و ديديي غيوم و أنياس روناشار و إيمانويل فارغون و كريستال ديبوس و لورون نوناز و غبريال عتال). وهي وجوه جديدة لكن مجملها يتمتع بسمعة في الكفاءة و الحنكة السياسية و ينتمي لمختلف تشكيلات الأغلبية البرلمانية و المجتمع المدني.

توسيع رقعة الدعم السياسي
النية الواضحة وراء التحوير الوزاري كانت توسيع رقعة الدعم السياسي داخل الأغلبية الحاكمة بتعيين وزراء من التشكيلات الداعمة وهي «المودام» و اليسار والسياسيين المنفصلين عن الأحزاب اليمينية و التي كانت في بداية عهد ماكرون العمود الفقري للحكومة الأولى. في هذا الإطار يندرج تعيين فرانك ريستر، القريب من ألان جوبي و جون لوي بورلو، ،على رأس وزارة الثقافة، و تكليف ديديي غيوم، الزعيم الإشتراكي السابق، بوزارة الفلاحة و التغذية. أما حزب «المودام» فقد حصل على وزارة العلاقة مع البرلمان التي يرأسها الشاب مارك فيسنو. هذا التوجه، الذي طالبت به التشكيلات السياسية الداعمة، يأتي في وقت اهتزت فيه الحكومة بالاستقالات المتتالية مما أثر سلبا على صورة الرئيس ماكرون.

أقطاب حكومية
الجديد في التحوير الوزاري هو إعادة هيكلة الحكومة حول أقطاب ، أهم قطب فيها من حيث عدد الوزراء هو وزارة التحول الإيكولوجي التضامني التي يرأسها وزير الدولة الوحيد فرنسوا دي روجي الذي خلف نيكولا هيلو. هذه الوزارة تتشكل من وزير مكلف بالنقل (إليزبيت بورن) و ثلاثة كتاب دولة (برون بوارسون وكريستال دوبوس وإمانويل وارغون). ربما أراد ماكرون إعطاء إشارة قوية لاحترامه للتحول الإيكولوجي بعد الأزمة الحادة التي نتجت عن استقالة نيكولا هيلو وشكلت ميلودراما أثرت سلبا على التوجه الحكومي و على نزاهة الخطاب السياسي.

القطب الثاني اقتصادي يرأسه برينو لومار . و تم دعمه بوزيرين لدعم الشؤون الاقتصادية (أنياس بانايي بوناشار) و التحول الرقمي (منير محجوبي). وهو توجه طبيعي لما للإصلاحات الإقتصادية و الإدارية من علاقة بالتحول الرقمي الذي خطط له ماكرون منذ البداية. اتصال هذا المجال بالاقتصاد يعطيه دعما ماليا مباشرا و يفسح له مجالا واسعا في التدخل خاصة مع التغييرات المالية المبرمجة لشهر جانفي القادم في شأن اقتصاص الضرائب مباشرة كل شهر للمرة الأولى في تاريخ فرنسا.

القطب الثالث، و الجديد، تمثل في بعث وزارة للتماسك الجهوي و الجماعات المحلية. و تولى الوزارة جاكلين غورو التي انتقلت من الداخلية مدعمة بوزيرين مكلفين بالجماعات المحلية و بشؤون المدينة و السكن. وهو هيكل جديد أراده ماكرون للتقرب من النواب المحليين و رؤساء البلديات و الجهات و المقاطعات الذين أصبحوا يشكلون عقبة أمام الإصلاحات بسبب نقص الموارد و سياسة التقشف في المصاريف المحلية.

قطب التعليم تم تدعيمه بتكوين وزارة تعنى بالتعليم و الشباب وبتعيين وزير شاب، هو أصغر الوزراء عمرا في تاريخ البلاد، في شخص غبريال عتال من حزب الرئيس ماكرون. إلحاق الشباب بوزارة التربية يرجع إلى نجاح جون ميشال بلانكير في مهامه الإصلاحية على رأس الوزارة بعد فشل عدد كبير من الوزراء في هذه الخطة منذ عقود. بلانكير أصبح يعتبر «مثلا» للوزير الناجح و قدوة للإصلاح الناجح. مسألة الإحاطة بالشباب عبر التربية و ربط العلاقة مع المجتمع المدني أصبحت من أولويات الحكومة في إطار مقاومة التطرف والانحراف و الراديكالية. وهو عمل لم تلتفت له الحكومات المتتالية بل تركت الشباب منعزلا عن الدورة الحيوية للمجتمع مما أجبر بعضهم للالتحاق بالعصابات الإجرامية وبالمجموعات المتطرفة.

الصحة كانت ولا تزال في مقدمة اهتمام المواطنين. ونجحت الدكتورة أنياس بوزان على رأس الوزارة في إعادة هيكلتها و إدخال المستشفيات و المصحات و المؤسسات في ثقافة الحوكمة الرشيدة. التحوير منح لها حجما أكبر بتكليفها بمسألة التقاعد و بتعيين كاتبة دولة في شخص كريستال دوبوس لهذا الغرض. وهو الملف المبرمج على طاولة الإصلاحات.
هذه الأقطاب تضاف لتلك التي أظهرت جدواها مثل وزارة الجيوش ووزارة أوروبا والعلاقات الخارجية ووزارة العدل التي لم تتغير. لكن التشكيلة الحكومية الجديدة تبقى ماشية في طريق الإصلاحات المبرمجة. في الأيام القادمة سوف تبدأ النقاش في مسائل إصلاح نظام الحيطة الإجتماعية ونظام التقاعد والتكوين و التشغيل وإعادة خريطة الدوائر الإنتخابية في انتظار انطلاق المشاورات حول تعديل الدستور. التغيير التقني للحكومة لا بد أن يتبعه خطاب سياسي لتوضيح الرؤيا والطريق. باختيار عدم تشكيل حكومة جديدة ، بل الاقتصار على «تعديل وزاري» أراد الرئيس الفرنسي إعطاء إشارة تواصل للسياسات المتبعة إلى حد الآن. لكن الملاحظين يعتبرون أن هذا التغيير يتطلب، بطبيعته، خطابا توجيهيا من قبل رئيس الدولة حتى يتضح الاتجاه العام للحكومة و للدولة في هذه المرحلة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499