رئاسة باراك أوباما: حصيلة إيجابية رغم إخفاقاتها

إنتهت رئاسة باراك أوباما بعد ثمان سنوات من التغييرات العميقة في سياسات الولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من الإخفاقات المصاحبة لتغيير سياسة البيت الأبيض على الصعيدين الداخلي والخارجي. من ناحيته أعلن دونالد ترامب ، الذي أزاح المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون

عن نيته التراجع عن عدة قرارات اتخذتها الإدارة الأمريكية في عهد أوباما مما خلف جدلا عميقا في صفوف الأمريكيين والأوروبيين لما لوعود الرئيس الجديد من تراجع عن قرارات غيرت المشهد الدولي.

انطلقت رئاسة باراك أوباما بوعد لخصه المرشح تحت شعار «ياس وي كان» (نعم، يمكننا ذلك) معبرا بطريقة جديدة عن «الحلم الأمريكي» بمجتمع أكثر رفاهة و قوة وحرية. وبدأ الرئيس أوباما ولايته الأولى في أجواء الأزمة المالية لعام 2008 التي هزت النظام البنكي الأمريكي قبل أن تنتقل إلى جل دول العالم. و نجح أوباما في إنقاذ النظام البنكي الأمريكي بضخ 400 مليار دولار لمساندة البنوك ثم 787 مليار دولار للاستثمار في القطاعات الحساسة المهددة. وسرعان ما استرجع الاقتصاد الأمريكي عافيته و تمكن من إعادة الآلة الصناعية في قطاع السيارات و خلق ملايين من مواطن الشغل قلصت نسبة البطالة إلى 5 % في حين لا تزال أوروبا تعاني من نفس الأزمة الاقتصادية.

لكن ذلك لم يخفض من حدة اللامساواة والتفاوت الطبقي الذي ينخر المجتمع الأمريكي وضاعف حدة الفقر فيه. فحسب آخر التقارير الرسمية وصل عدد الفقراء الذين هم تخت الصفر الى 43 مليون نسمة وفي مقدمتهم السود (بنسبة 3،8 % من العاطلين على العمل). وهو ما أنتج خيبة أمل في صفوف الطبقات الضعيفة و الأقليات العرقية التي أسست آمالا عريضة على قدوم أول أمريكي - إفريقي للحكم الشيء الذي أثر سلبا على ترشح هيلاري كلينتن.

نجاح تاريخي لنظام «أوباما كار»
حقق الرئيس الأمريكي وعده الإنتخابي بفرض نظام تأمين على الصحة لكل الأمريكيين بالرغم من معارضة الجمهوريين في الكونغرس و عديد القطاعات الرأسمالية. و نجح أوباما في ذلك بعد اخفاق 7 رؤساء قبله في تمرير قانون مماثل. وتمتع بهذا القانون 16 مليون أمريكي. و لم يقبل الجمهوريون بذلك القانون و قدموا 60 تنقيحا في الكونغرس استخدم ضدها أوباما حقه في الفيتو. لكن الرئيس ترامب وعد بالتخلي عن هذا القانون و تعويضه بآخر يأخذ بعين الإعتبار مصالح أصحاب المؤسسات.

وبالرغم من تمتع فئات واسعة من بين الأمريكيين السود من التغطية الإجتماعية الجديدة فإن موجة العنصرية التي اجتاحت المجتمع الأمريكي خلفت عديد القتلى على أيدي أعوان الشرطة دون أن يكون للرئيس أوباما تأثير ملموس على ردع هذه الظاهرة. وأخفق أوباما كذلك في الحد من نسبة القتلى بالرصاص التي سجلت 30 ألف قتيل سنويا منذ 2008. وإن استعمل أوباما حقه في سن قرارات رئاسية للحد من ترويج الأسلحة الحربية فإن لوبي الأسلحة المهيمن على الكونغرس حال دون تغيير القوانين التي تسمح بمسك السلاح.
وأنتج ذلك انقساما في المجتمع الأمريكي بين من يعارض استخدام الأسلحة ، وهم من الأغلبية البيضاء من أصل أوروبي، ومن يساند الجمعية الوطنية للأسلحة التي تعتبر أهم لوبي أمريكي على الإطلاق. و جعل ذلك عديد الجمعيات المحلية والتجمعات المسلحة داخل البلاد تتحرك ضد رجوع الديمقراطيين للحكم ملتحمين في ذلك مع الجمعيات العنصرية مثل «كلو كلوكس كلان» وما تبقى من خلايا حزب «التي بارتي». ونجحت هذه الموجه في إعانة ترامب، الذي وعد بالتخلي عن كل قرارات أوباما، على دخول البيت الأبيض.

وعود من العاصفة
على المستوى الدولي، أعطى الرئيس أوباما أربعة وعود في حملته الإنتخابية الأولى تعلقت بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق موفى 2011 و بغلق معتقل غونتانمو ، وبالعمل على حل الأزمة الفلسطينية، وبمواصلة الحرب ضد القاعدة. بالنسبة لهذه الوعود تمكن أوباما من تحقيق الوقد الأول بتخلي القوات الأمريكية عن القتال في أفغانستان والعراق مع الحفاظ على بضعة آلاف من الجنود في كلا البلدين للتدريب وحفظ أمن الزعماء الذين ساهمت الإدارة الأمريكية في تركيزهم لقيادة الدولتين. وتمكنت القوات الأمريكية عام 2011 من القضاء على أسامة بن لادن في عملية للقوات الخاصة بمدينة أبود أباد الباكستانية.لكن أوباما لم يتمكن من غلق معتقل غونتانمو بسبب معارضة الكونغرس الذي تحكمت فيه أغلبية جمهورية مدة 6 سنوات من مجموع 8 سنوات رئاسة أوباما. و لم يفلح إلا في نقل 150 معتقلا نحو بلداهم الأصلية والحفاظ على ما يفوق 50 معتقلا حاليا. أما الملف الفلسطيني فيعد من أكبر إخفاقات أوباما بعد خطابه الشهير في القاهرة الذي وعد بفتح صفحة جديدة مع العالم العربي والإسلامي وفرض حل الدولتين.

تغيير النظام العالمي
منذ البداية، عمل الرئيس باراك أوباما على تغيير السياسة الأمريكية القديمة بدأ بقرار خروج الولايات المتحدة من ساحات القتال في أفغانستان و العراق بعد أن اجتاحتهما القوات الأمريكية إثر هجمات 11 سبتمبر 2001. تخلي القوات الأمريكية عن البلدين بدون إرساء نظام سياسي جديد مستقر أدخل المنطقة في حالة من الفوضى وساهم في تفشي الإرهاب في البلدين ودخول حركة «الدولة العراقية الإسلامية»، التي أسست عام 2006، في حرب مفتوحة ضد الدولة العراقية التي تهيمن عليها الطائفة الشيعية بإعانة مباشرة من إيران. خروج أمريكا من الشرق الأوسط يخضع لإستراتيجية تبلورت في البنتاغون وترمي إلى مقاومة المد الصيني في جنوب آسيا عوضا عن التركيز على الشرق الأوسط خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية لها مخزون من النفط يكفي لحاجياتها المستقبلية وقد أسست لتحالف أمريكي عراقي شيعي يمنحها ما تريد من مخزون النفط العراقي.

موقف الإنسحاب هذا ساعد على تغيير الموازين الدولية في المنطقة خاصة بعد اندلاع الربيع العربي عام 2011 في كل من تونس ومصروليبيا وسوريا. وقد ساهمت دول الخليج في تفخيخ هذه المناطق بمجموعات مقاتلة لفرض تغيير الأنظمة لصالحها مع انسحاب الأمريكان من المنطقة. لكن مقاومة الأنظمة المهددة من جهة،ومن جهة أخرى، تعارض المصالح بين المتدخلين العرب (السعودية و قطر ودولة الإمارات العربية) والأوروبيين (فرنسا وإيطاليا و بريطانيا) والشرقيين (تركيا وإيران وروسيا) أدخل المنطقة في حالة حرب تكاد تكون عالمية. وأسفر عدم مشاركة الولايات المتحدة في الحرب مباشرة ضد نظام بشار الأسد على دخول روسيا الى الميدان لتغيير موازين القوى لصالحها في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط.
وإن لا تزال تداعيات التدخل الروسي قائمة، فإن التوجهات الأمريكية الجديدة في عهد أوباما عملت على إرساء علاقات جديدة مع إيران بالتوصل إلى اتفاق في شأن الملف النووي، على خلاف ما كان يأمل فيه الأوروبيون، اتفاق لا يمنع إيران من برنامجها النووي لكن يفرض رقابة صارمة على إمكانية استخدامه لصنع قنبلة نووية ويفتح في الآن نفسه الباب أمام إعادة العلاقات الاقتصادية بين البلدين وتدفق الاستثمارات في بلد تعطلت فيه حركة النمو الاقتصادي لأكثر من عقدين.

تحييد الأمريكاتين
إعادة صياغة العلاقات الأمريكية – الأمريكية هو الوجه الثاني للانسحاب من الشرق الأوسط. فبعد 50 سنة من العداء مع كوبا و الحصار المفروض عليها دخلت الإدارة الأمريكية في تفاوض مباشر مع الزعيم راول كاسترو لإعادة العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة. ونجح أوباما في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين و توج ذلك بتبادل تاريخي للزيارات بين العاصمتين وغلق باب الحرب الباردة نهائيا. وامتد العمل الدبلوماسي الأمريكي إلى مساعدة الدولة الكوبية على حل مشكلة الحرب الأهلية مع حركة «فارك». وساهمت هذه التسويات في موجة رجوع اليمين المساند للولايات المتحدة في عدة دول منها الأرجنتين و البرازيل. وكان لا بد، بالنسبة للخبراء الإستراتيجيين في مجلس الأمن القومي الأمريكي، من تحييد جنوب القارة في استراتيجية تحويل وجهة الصراع نحو جنوب آسيا أين أصبح الوجود الصيني يهدد مباشرة الولايات المتحدة الأمريكية.

وبدأ أوباما خطوات دبلوماسية محتشمة تجاه آسيا بزيارته ماليزيا للمرة الأولى، بعد 50 سنة عن زيارة رئيس أمريكي. أما دونالد ترامب، الرئيس المنتخب، فقد قطع الحلف مع الصين باستقباله مكالمة من رئيسة تايوان مشيرا إلى إمكانية تغيير الموقف الرسمي الأمريكي في عملية تشير إلى ابتزاز دبلوماسي سابق لأوانه. هذه المعطيات تدل على أن نجاح ترامب في الانتخابات لم يكن صدفة. بل هو مرشح طبيعي للدولة الأمريكية العميقة التي استخدمت باراك أوباما للخروج من مستنقع الشرق الوسط قبل استخدام ترامب في عملية إعادة ضياغة النظام العالمي الجديد. أما باراك أوباما فقد أدخل على البيت الأبيض أسلوبا راقيا وأنيقا. وكان الرجل ذكيا و بارعا خطابيا اتسم بأخلاق حميدة و لم ينزلق في المتاهات التي لحقت رئاسة نيكسون وبوش وكلينتون. إن قرار أكاديمية نوبل منحها جائزة نوبل للسلام لباراك أوباما لمجرد وعده بالانسحاب من أفغانستان و العراق كان صائبا بالرغم من الانتقادات التي لحقته.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا