الذكرى الحادية عشرة لـ14 جانفي: صراعات السرديات والمطامع السياسوية

تحل الذكرى الحادية عشرة لتاريخ 14 جانفي 2011 الذي احتفي به لعشر سنوات عيدا للثورة التونسية في ظل انكار رسمي للتاريخ

بما يعمق الانقسام المجتمعي الذي يتعاظم نتيجة محاولة اعادة كتابة التاريخ وكأنه صفحات كراس يمكن تمزيقها وإعادة رسمها وفق السردية المنتصرة.
منذ ان تم انتخابه رئيسا للبلاد في 2019 حرص رئيس الجمهورية قيس سعيد على تسويق سردية جديدة لثورة «17 ديسمبر/ 14 جانفي» تقوم أحداثها على ابراز البون بين «الشعب» و«النخبة» وكان هذا جليا في اقتصاره على الاحتفاء بـ17 ديسمبر منذ ولوجه لقصر قرطاج قبل سنتين وتغييبه الصريح لتاريخ 14 جانفي من خطابه الى حين اقرار التدابير الاستثنائية.

قام خطاب الرئيس السابق لـ25 جويلية على التقسيم بين الخير والشر، بين 17 و14 ولم تكن كثافة كتلك التي سجلت منذ الاعلان عن التدابير الاستثنائية لننتقل من التلميح والتبطين الى القول الصريح، فالرئيس وأيام معدودات بعد تفعيل الفصل 80 من الدستور بات يسوق لخطاب يقوم على تصحيح المسار والعودة للشعب بالعودة الى لحظة الانفجار الثوري انفجار يصفه بغير المسبوق في التاريخ ويقدمه على انه اعادة لتشكيل المشهد الكوني، من قراءة تنطلق من ان الهامش بات يقرر ويصوغ مطالبه الهادفة الى اسقاط «المنظومة/ النظام»، اي انتصار الهامش على حساب المركز ضمن قراءة ايديولوجية تريد رسم الاحداث والوقائع وفق سياق سياسي يشرع لخيارات محددة.

خيارات قال ان الشعب طالب بها، فالشعب في منظور الرئيس عبر عن مطالبه في 17 ديسمبر ولكنه خذل من النخبة والطبقة السياسية التي انحرفت بالثورة في 14 جانفي، لتحتكر الفعل الثوري والسياسي وتقصي الجهات والداخل من القرار بعد ما يعتبره ترتيبات حكم ما بعد القصبة 1و2.
وفي اطار تصحيح المسار عاد الى الشعب والى زخمه الثوري الذي انطلق في 17 ديسمبر 2010 في اطار تكثيف الرمزيات وصناعة الايقونات لتؤثث المشروع السياسي للرئيس. فالصراع بين قيس سعيد وخصومه حتى وان كان صراعا سياسيا الا انه تسلل ليشمل كل المجالات ومنها «التاريخ» والذاكرة الجماعية التي يراد لها ان تتشكل وفق سردية تقدم الشعب على انه «يريد» اسقاط المنظومة والنظام واستعادة السلطة وتنزيل ارادته وكل هذا كلّف به الرئيس وينتظره منه، وفق السردية الرسمية الجديدة.سردية تبحث عن شرعنة «ما يريده الرئيس» لذلك كان القرار الرسمي بتغيير تاريخ عيد الثورة الى 17 ديسمبر بدل 14 جانفي.

تغيير لا يتعلق بتصحيح «التاريخ» او حماية الذاكرة الشعبية بل الى بسط هيمنة سردية «السلطة الجديدة» وشرعنتها باسم الشعب لمجابهة «سردية قديمة» صاغتها النخب والمنظومة اللتين يحاربهما سعيد لانهما «نكلتا» بالشعب وزيفتا وعيه وفق تصريحاته القديمة.
هذا الصراع بين السرديات سيتجلى اليوم في كيفية الاحتفال بذكرى 14 جانفي وفي محاولات حماية الذاكرة الجماعية من التزييف او التبويب وفق القراءات السياسية التي تتناحر لبسط هيمنتها، وهدم السردية المقابلة لها. وكل الاطراف السياسية هنا تبحث عن نصر سياسي لا عن حماية سردية وطنية جامعة للثورة وتاريخها.

كل هذا نتاج لتداخل السياسوي في كل اوجه الشان العام وتفاصيل العيش المشترك، وفرض سرديات المنتصر في سباق الحكم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا