في ظل تصاعد الاحتقان الاجتماعي بسبب الزيادات في الأسعار: الكل يتخلى عن حكومة المشيشي

يجد هشام المشيشي رئيس الحكومة نفسه وحيدا في مواجهة غضب الشارع، فقد اعلنت مكونات حزامه السياسي بأشكال مختلفة

عن انها لا تتحمل مسؤولية سياسات الحكومة وأنها لم تعلم بها مسبقا لتلقي بكل المسؤولية على الرجل الذي بات يواجه بمفرده تصاعد الاحتقان في الشارع على خلفية الزيادات الاخيرة
منذ بدايات الاسبوع الجاري انطلقت حكومة هشام المشيشي في تنزيل بعض خطتها لإصلاح التوازنات المالية واختارت ان تستهل الصيف بالاعلان عن زيادات جديدة في اسعار بعض المواد والخدمات. على غرار ثمن تذاكر النقل العمومي، وثمن السكر والماء.
زيادات استقبلت برفض جل المنظمات الوطنية الاجتماعية، والقصد هنا الاتحاد العام التونسي للشغل وباقي النقابات ومنظمة الدفاع عن المستهلك وجمعيات ومنظمات حقوقية واجتماعية، اعتبرت ان الخيارات الحكومية تصب في خانة اثقال كاهل المواطن وتحميله تكلفة الاصلاحات وهو ما قد يدفع الى تحركات اجتماعية.
لكن ليس في هذا ما يربك الحكومة او يثير خوفها فقد كانت تتوقع موجة الرفض من المنظمات ومعارضتها وما يخيف الحكومة بالأساس تنصل حلفائها الرئيسين، وهما بالاساس النهضة وقلب تونس اللذين اعلن كل منهما بطريقته عن عدم دعمه لخيارات الحكومة الاخيرة .
وقد أعلنا باشكال مختلفة انه لم تقع استشارتهما قبل اقرار هذه الزيادات، وهو ما قاله عماد الخميري رئيس كتلة النهضة والناطق الرسمي السابق باسمها، وقاله حليفه وزميله في البرلمان اسامة الخليفي رئيس كتلة قلب تونس، التي لم تكتف بالاعلان عن عدم استشارتها بل باتت تقدم خطابا يعادي الحكومة ويتنصل من تحمل مسؤوليتها السياسية.
فالخليفي وهو يتحدث عن حكومة المشيشي بات حريصا كما باقي قيادات حزبه على الاشارة الى ان هذه الحكومة هي حكومة رئيس الجمهورية الذي كلف المشيشي بقيادة مشاورات تشكيل الحكومة وترؤسها، كما ان هذه الحكومة حكومة «تكنوقراط» ولا تمثيلية سياسية لقلب تونس فيها.
تنصل من الحكومة لا يكشف فقط عن محاولة تقديم مسارها التاريخي من لحظة التكليف الى اليوم بل في التشديد على ان الأحزاب. وهنا قلب تونس والنهضة يلتقيان في ان دعمهما لحكومة المشيشي ليس حبا لها او في رئيسها ولا لاقتناعهما به وبخياراته السياسية بل لان الاوضاع فرضت ذلك لتجنب فرضيات اسوء.
الانقلاب على الرجل والتسويق الى انه يتحمل بمفرده المسؤولية السياسية. يتجلى اكثر في بيان المكتب السياسي لقلب تونس الصادر امس والذي حمل اشارات صريحة الى ان الحزب وكتلته في طور فك الارتباط بالمشيشي وحكومته لتجنب الغرق معه.
فقلب تونس أعلن انه امام خطورة الوضع العام وانسداد الأفق السياسي بفعل استفحال الأزمة فإنّه يؤكّد على ضرورة السعي إلى اتخاذ مبادرات شجاعة واستعداده للمشاركة في مسار المراجعات والمصالحات التي تضمن التوصّل إلى وضع سياسي آمن ومستقر يحمي الدولة من التفكك والمجتمع من الانقسام وهذا دون ان يغفل المكتب السياسي للحزب عن الاشارة لمباركته كل خطوة في اتجاه تخفيف الاحتقان وخاصة من قبل رئيس الجمهورية.
انقلاب الحلفاء على الرجل والتلميح طورا والتصريح طورا اخر بانهم لا يحمونه ولا يتحملون مسؤولية سياساته دفعت المشيشي الى تذكير الكتلتين الاكبر في حزامه البرلماني بان خطة الاصلاح بما في ذلك اقرار الزيادة في الاسعار صادق عليها البرلمان ودعمها.
وهنا انتقل الرجل ليقول ان الزيادات الأخيرة في أسعار بعض المواد والخدمات تم اقراراها منذ 2018 ولكن الحكومة حينها والحزام السياسي الداعم لها قرروا لأسباب انتخابية تأجيلها مما فاقم ازمة المالية العمومية. وقصده هنا انه ليس المسؤول بل ورث وضعا صعبا يتعامل معه وان حلفاءه لهم علم بذلك.
هذا التطور في العلاقة بين المشيشي ووسادته البرلمانية يبدو انه سيتجه الى نهاية وحيدة وهي الانتقال من دعم الحكومة الى البحث عن اخري، أي التضحية بالمشيشي وحكومته لا فقط بسبب الصراع مع الرئاسة والبحث عن حل معها بل لموجة الرفض المتنامية ضد الحكومة سواء من الشارع او من مكونات المجتمع المدني والمنظمات الوطنية.
رفض تخشى الاحزاب، واساسا النهضة وقلب تونس ان يتحملا مسؤوليته لذلك حرصا على التذكير بان المشيشي صنيعة سعيد وان الحكومة حكومة كفاءات مستقلة لعل ذلك يخفف عنهم اعباء الحكومة وثقل خياراتها غير الشعبية. ويمهد لتوافق جديد مع الرئاسة تحت شعار المصلحة العليا للبلاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا