في موكب عيد الشهداء: سعيد وهاجس تسجيل النقاط ...

يستمر الهمز واللّمز بين رئيس الجمهورية وخصومه. اذ استعان سعيد بما له من قدرة على الترميز والاستدلال ليوجه نقده إلى كل

من رئيس الحكومة ورئيس البرلمان حاشرا اياهما في الزاوية لإحراجهما وكسب نقاط على حسابهما.

لم يمر يوم امس دون ان يستغله رئيس الجمهورية قيس سعيد لتوجيه رسائله الصريحة والمبطنة في مشهدية حرص على ان ترافق موكب إحياء عيد الشهداء الذي حضره كل من رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي.
وقد استنجد الرئيس بالرمز والدلالة ليقول رأيه بخصوص الحكومة والبرلمان، اذ استعان برسم كاريكاتوري يجسد تونس كمرأة مستلقية على فراش المرض يحيط بها طبيب وصيدلي، يبحثان عن علاجها من سقمها الذي لم يكن غير برلمان وطني محترم ووزارة كاملة مسؤولة.
هذا الرسم الذي نبش الرئيس في الوثائق والصحف القديمة ليستعين به، نشر سنة 1936 اي قبل سنتين من احداث 9 افريل 1938، وهو تاريخ مرت فيه البلاد بوضع شبهه الرئيس سعيد بوضعها اليوم، بقوله ما اشبه البارحة باليوم وكان لسان حاله يقول ان سقم البلاد ومرضها مأتاه انها دون برلمان وحكومة يتوفر فيهما الحد الادنى من الوطنية والاحترام والمسؤولية.

الاستعانة بالرمز والقديم وإسقاطه على الحاضر يريد من خلاله الرئيس ان «يوبخ» خصميه في البرمان والحكومة وجعلهما المسؤولين عما تمر به البلاد من ازمة ووضع صعب يوشك ان يفجّر كل بنيانها. وان النجاة منه مقترنة باحترام الدستور، فتونس المريضة علاجها كما كان وهي تحت نير الاستعمار، برلمان وطني وحكومة مسؤولة، ويضيف اليهما الرئيس عنصرا جديدا فعلاج البلاد من مرضها هو «الانسجام والتواصل بين مؤسسات الدولة في ظل احترام كامل لنص الدستور ومقاصده».

وهنا يشرح الرجل قوله بان «الدستور ليس أداة للحكم بل هو أداة لتحقيق الحرية والتوازن الإيجابي بين السلطة والحرية» يشدد على ان الدستور نص وعلى ذلك فـ«هناك النص وهناك مقاصد النص».

ولم يقف التوبيخ عند هذا الحد اذ اختار الرئيس ان يفرد رئيس الحكومة بتوبيخ خاص، اذ شدد سعيد وهو يخاطب المشيشي بلهجة الامر ان «بعض الاجراءات التي تم الاعلان عنها في إطار مواجهة جائحة كورونا وخاصة اقرار حظر الجولان بداية من الساعة السابعة مساء... يجب مراجعتها وتطويع اجراء حظر الجولان بناء على تطورات الوضع الوبائي».
توجيه ادرك المشيشي معناه فحاول ان يستدرك وينقذ نفسه بان شدد على ان القرار صدر بتوجيه من اللجنة العليمة التي اوصت بان يكون الحظر في الساعة السابعة وهنا مرة اخرى يقدم له «درسا» بان اللجنة العلمية جهة تقترح ولا تقرر، ومن يقرر هي الحكومة التي عليها ان تدرك ان القرار «سياسي» وعليه يجب ان يراعى الجانب الصحي والاقتصادي

والاجتماعي.

لينهى الرجل دروسه وتوبيخه لخصميه ويمضى، تاركا اياهما في الزاوية، فالرجل ادرك ان صراعه معهما يمتد ليشمل المشهدية ومن له اليد العليا، وقد حقق ذلك امس بان قدم صورة مفادها ان الحكومة والبرلمان في غير صف الشعب وهما سبب بلاء البلاد ومرضها.
مرض وسقام لن تشفى منه تونس الا ببرلمان وطني محترم وهذا بمثابة ادانة صريحة ومباشرة للبرلمان الحالي بانه لا وطني ولا محترم، كما أدان الحكومة التي قدم رئيسها على انه غير ملم بجوانب السياسة وأمور الحكم وانه يدير حكومة «ناقصة» غير كاملة. والقصد هنا ليس العدد.
انتهى يوم امس وقد حقق سعيد ما بحث عنه من نقاط شكلية في صراعه مع الخصوم، فهو فاز شكلا في هذه الجولة ولكنه في المقابل عمق القطيعة وجعل الخروج من الازمة السياسية امرا صعبا ان لم يكن مستحيلا في ظل التوازنات الحالية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا