في ظلّ بطء نسق التلقيح وارتفاع منسوب العدوى : هل يمكن أن تستمر سياسة اللاّ حجر ؟

بات جليا ان الجانب الاقتصادي والاجتماعي يحددان سياسة حكومة المشيشي المتعلقة بمجابهة انتشار عدوى الكورونا

وبطء عملية التلقيح. وهما ما يتحولان دون ان تتخذ الحكومة خيار الحجر الصحي الشامل. لكن السؤال اليوم الى اي حد يمكن ان يستمر الوضع دون حجر صحي.
خلال الايام الفارطة سجل ارتفاع في نسق الاصابة بعدوى الكورونا وخاصة بالسلالة البريطانية، اذ ارتفعت من جديد نسب التحاليل الايجابية لتبلغ وفق احصائيات يوم الاثنين الفارط 5 أفريل الجاري حوالى 28 % من مجمل التحاليل التي قدر عددها بـ6665 .
وهذا المؤشر يبين ان منحى الاصابة بالعدوى يتجه الى الذروة وما يرافق ذلك من تداعيات صحية وهو ما دفع باللجنة الوطنية لمجابهة الكورونا ووزارة الصحة والحكومة الى البحث عن اجراءات جديدة قد تساعد في كسر نسق العدوى.
اجراءات اعلن عنها امس في ندوة صحفية لم تحمل اي تطور جوهري في طريقة ادارة الازمة الصحية التي تمر بها البلاد منذ مارس 2020، اذ اعلنت الحكومة عن الاجراءات المعتادة. التطبيق الصارم للإجراءات الوقائية والزيادة في حظر الجولان. و إجبارية الحجر الذاتي للقادمين من خارج تونس. (انظر مقال دنيا حفصة)
اي ان الحكومة وما على لسان المتحدثة باسمها حسناء بن سليمان لم تغير من اسس سياستها في مجابهة الخطر، اذ هي ترغب في ان تحتوى الخطر دون الذهاب الى الحجر الصحي الشامل، وتعويض ذالك بقرار عزل وغلق المناطق التي تشهد ارتفاعا في نسبة الاختطار.
اجراءات تتزامن مع الاشارة الى ان البلاد تمر بوضع «خطير ودقيق» وإعلان سابق بان المنظومة الصحية تقترب من بلوغ طاقتها وقدرتها القصوى وهو ما يعنى انها قد تنهار اذا اشتد نسق الاصابة بالعدوى.
وهذا ما يطرح سؤالا عن تناسب الاجراءات الجديدة مع الوضع الوبائي في البلاد التي تعيش على وقع منحى متسارع للعدوى وضغط مرتفع على منظومتها الصحية التي باتت على شفا العجز مما دفع بالوزارة الى مراسلة المستشفيات ودعوتها للانطلاق في تخصيص اماكن وطواقم طبية وشبه طبية وتوجيه طاقتها الى الوافدين عليها من المصابين الجدد بالكورونا.
اجراءات ترسخ خيار الحكومة في تجنب الغلق الكلي للبلاد والانشطة الاقتصادية والتعويل على «وعي» المواطنين واحترامهم لقواعد الصحة والتباعد الاجتماعي واحترام الاجراءات الوقائية، مع التلويح بانها ستكون صارمة ضد من لا يلتزم بهذا.
خيار قد يكون من المجحف ان تحمل الحكومة بمفردها المسؤولية عنه. ولكن حينما تلقى هي المسؤولية على «المواطن»، وجب تذكير الحكومة بانها اعتمدت خيارات اتضح انها لم تكن مجدية ولا مثمرة منذ البداية ولكنها تمسكت بها اضافة الى تعثرها وفشلها في ادارة الازمة وتوفير اللقاح وبطء نسق عملية التطعيم وضعف نسبة المقبلين عليه، لذلك فان المسؤولية باكملها تقع على الحكومة.
كما انها اليوم مطالبة بان تجابه السؤال الفلسفي والأخلاقي والسياسي، وهو الى متى يمكنها الصمود في ادارة الازمة الصحية التي تتجه الى التفاقم بمقاربة تجعل من المالي والاقتصادي اولوية مقدمة على الصحي.
اي الى متى سيستمر تسويق حجة صعوبات الوضع الاقتصادي والقول ان البلاد عاجزة اليوم عن تحمل التكلفة المالية والاقتصادية لقرار غلق كلي او شبه كلي للبلاد وللنشاط الاقتصادي. وهذا العجز يجعلها تتجنب إقرار الحجر الصحي الشامل.
لكن هذا المنطق والمقاربة لها حدودها القصوى وثمنها الباهظ المتمثل في حياة مئات من التونسيين بلل الآلاف منهم. اذ ان الحكومة ستجد نفسها خلال ايام قليلة قادمة، وفق المعطيات التي تقدمها وزارة الصحة في مواجهة نتائج خيارها الراهن، وهي ان تنحصر الخيارات بين حياة التونسيين او الجانب الاقتصادي والمالي.
خيار اقتربت منه الحكومة حينما شهدنا في الاسابيع الماضية اقتراب المنظومة الصحية من الانهيار وارتفاع نسق الاصابة بالعدوى، حينها قررت الحكومة حجرا صحيا شاملا بـ4 ايام. وفي وضعنا الراهن الذي ترتفع فيها المخاطر خاصة بتسجيل مئات الحالات من الاصابات المحلية بالسلالة البرطانية، وسرعة انتشار الفيروس في طفرته هذه التي تهدد بان تنهار المنظومة الصحية خلال ايام قادمة.
انهيار سيحتم على الحكومة ان تستعمل السلاح الثقيل الذي تتجنبه، وهو الحجر الصحي الشامل وهذه المرة قد لا يكون لأيام معدودة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا