في تأبين المناضل والمثقف اليساري جلبار النقاش: بقلم محمد صالح فليس

عزيزي جوزاف جلبار النقاش
عزيزتي عزة
عزيزي سليم
أيها الملأ العظيم

تشاء التواءات الحياة ان نقف في هذه اللحظة المهيبة امام حضرة جثمانك وأنت مسجى ترمقنا كعهدك بتلك النظرة الثاقبة الحنونة،وأنت هنا منصت على حركة شفتيك تفضحان بكلمات منتقاة ومباشرة ما اختزنته ذاكرتك من نقاش قام او ما زال متواصلا .
ويتصاعد النسق وتتعالى الاصوات وتختلط الكلمات في تعاليها إلى أن يذكرنا احد العاقلين أن الحراسة فوق رؤوسنا تروم اختراق تكتلنا وتنتشي بكل كلمة تصطادها من افواهنا ..
فيعود الصمت سائدا قبل ان تنطلق الحناجر الشجية بالنشيد الجماعي الموزون
«اذا سقطت يا رفيقي فسيخلفك رفيق آخر..
فنحن من سيحطم أسوار السجن
لفائدة اخوتنا»
وتلتهم شبابنا السنوات ونجني من جريان رحيقها إخاء ومودة راقيين وتكاتفا على القمع وأهله ورفضا لانكار الاختلاف والمرور به الى التجريم وإلهاب سياط التعنيف إزاءه .
قال فرانسوا ميتران في احدى خطبه بمدينة شامبيري chambery الفرنسية ،
«ليس الشباب دائما على صواب ،
ولكن الخطأ الأكبر ان نواجهه بالعنف والضرب»
وتشاء عطاءات الحياة ونعم الاسر ان نتعاشر خارج أسوار القضبان بصفاء المحبة لنرى في بعضنا البعض ملامح نشوة الانتصار بالممانعة والمقاومة والمثابرة بعد أن اكتملت إصابتنا كما قال محمود درويش
«بالوطن البسيط
وباحتمال الياسمين»
وتبدأ حركة البناء بوحا علنيا وتأسيسا للمعنى وتأصيلا للكيان المتوثب على خلفية قاعديتين ثابتتين :
تلخص الأولى قولة جوليان قرين ومؤداها :
« إن الكتابة هي الفضاء الوحيد للحرية المطلقة»
وتشير للثانية قوله نزار قباني ومفادها :
« لا شيء يحمينا من الموت سوى الكتابة والمرأة»
وتحتد حركة الكتابة وتنتشر من خلالك العدوى ويشتد الحراك على «قاعدة ذلك تنويرا للاتي وتحصينا للمواطن»
صديقي صديقنا جلبار
عهدا لن ينكسر الكريستال وستظل السماء فوق السطح ،ولن يذهب شبابك ،شبابنا هباء طالما وهبناه للوطن وللحرية .
اما المسيرة نحو الديمقراطية فإنها تخطو في خطواتها بثبات حينا وبتعثر احيانا .
وستظل حركة الفهم والنيش تحتل أولوية حاسمة في تفكيرك/ تفكيرنا !
عهدا ، لن تجرحنا الشتائم القذرة للجلاد الآمر ، ونحوها من الشتائم الهابطة التي ياتيها المتهاونون.
نحن وبعد سنوات الاعتقال في خانة من تطهر نهائيا :
«ولو شردونا
كما شردونا
ولو قتلونا
كما قتّلونا
لعدنا غزاة لهذا البلد»
محمد الصغير أولاد أحمد
عشيري عشيرنا جلبار ،
سيظل عزاؤنا الأول فيك انك أنرت عالمنا وأثريت مسيرتنا بتفرد شخصيك وتنوع مشاربك وعمق ثقافتك واتساع صبرك على المكابدة لتحقيق المكتسبات فجاء عطاؤك ثريا وابتساماتك طافحة بالحياة والمحبة
وعزاؤنا الثاني فيك انك لم تلن ولم تحن الظهر ولم تمد يدا ولم تصفق لمستبد ظالم أيا كان شأنه وانتفاخ أناه .
وكان بإمكانك أن تغنم الكثير الكثير لو لم تختر النهج الأصعب فأخلصت لذاتك وثوابتك وانتصرت للحرية والعدل
وعزائي الثالث فيك أننا شاركناك حبك للحياة الجيدة واقبالك عليها ما استطعت إليها سبيلا بقناعة أن المناضلين الأوفياء يرفضون البؤس وصنوف الشعبوية السخيفة.
وستصر كما تعملنا معا من الراحلات والراحلين قبلك من رفاقنا الأشاوس على احترام صرخة الفذ محمود درويش :
« لا تتذكروا
من بعدنا
إلا الحياة»
وسنشرب على أنخابك وأنخاب أقداح المحبة والألفة كلما جمعتنا اللقاءات لنذكر فضائلكم وأنواركم بكل عبق المودة وسنصون ودكم وعلو همتكم .
عشيري عشيرنا الغالي
لن أكون وحيدا في وعدي لك بالعود لفكرك للنبش في مخابئه ، ولأحاسيسك لاستكناه معنى أن يظل المرء صافيا في أناقته ، وسأكتب مطولا لعل ذلك يكسر قوانين الغياب ويزيد في تأثيث الحضور ويحفر في الذاكرة المتكاسلة لتأصيل إسهاماتك ومعها إسهامات رفاقنا الذين رحلوا قبلك
وسنظل نحمل أمانة المشعل تباعا بكل ثبات يعليه الياقوت على قيد الحياة نبراسا لإضاءة زوايا الذاكرة الجماعية الوطنية موطنة ضمنها إسهاماتنا في إثراء شاننا الوطني العام
حبيبي ، حبيبنا جوزاف جلبار النقاش بابي.
أن تترجل كاملا كعهدنا بك تهيؤا لنومتك الأبدية المستحقة فذاك من طبيعة الأشياء
ولروحك الناصعة ، ولذكراك الحافلة ولعطاءاتك الوازنة كل عبارات السلام الأنيق، وكل معاني المودة والإجلال الاثيلين :
« يا أيها المتفرجون
تناثروات في الصمت وابتعدوا قليلا عنه
تجدوه فيكم حنطة
ويدين عاريتين
وابتعدوا واعند كي يتلو وصيته
على الموتى إذا ماتوا
وكي يرمي ملامحه
على الأحياء ان عاشوا»

محمود درويش

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا