سفيرا فرنسا والمملكة المتحدة والمنسق المقيم للأمم المتحدة بتونس يكتبون لـ«المغرب»: خمس سنوات على اتفــاق بــاريس، وتستمر المعركــة من أجـــل المنـاخ !

تمكنت، قبل خمس سنوات، في باريس، 194 دولة ومنظمة عالمية من التوصل إلى اتفاق تاريخي يهدف إلى الحفاظ على النظم الإيكولوجية العالمية

وظروف حياتنا الخاصة. والتزم الموقعون بالحد من زيادة درجة الحرارة العالمية في هذا القرن إلى درجتين مئويتين مع السعي إلى الحد من الزيادة إلى 1.5 درجة فوق درجات الحرارة لما قبل العصر الصناعي. كما التزموا بتعزيز قدراتهم على التأقلم مع التغير المناخي بما في ذلك تكييف التدفقات المالية العالمية.
ساهم اتفاق باريس أيضا في بعث ديناميكية تاريخية وذلك بالنص على الترفيع كل خمس سنوات في التزامات كل طرف. وأخيرا يشير الاتفاق إلى إدراج التضامن صلب مواجهة تغير المناخ وذلك بإرساء آلية لدعم البلدان النامية: صندوق المناخ الأخضر.
أصبحت، اليوم، في سنة 2020، المبادرة التي انطلقت من باريس أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

نحن في الواقع بعيدون عن الهدف: فبالرغم من تراجع انبعاثات غازات الانحباس الحراري هذه السنة بفعل الحجر الصحي وتعهد رئيس الولايات المتحدة المنتخب بإعادة بلده لاتفاق باريس، لا زلنا بعيدين عن معالجة الوضع. وتقدر الأمم المتحدة للبيئة زيادة درجة الحرارة العالمية، بالوتيرة الحالية، إلى ثلاثة أو أربعة درجات مئوية سنة 2100 إذا تم تفعيل التعهدات المعلنة في 2015. خلال عشر سنوات، سجلت الانبعاثات العالمية زيادة بـ1.5 % سنويا وسيتطلب الأمر لتحقيق أهداف باريس، الحد منها إلى 7.6 % في العقد القادم.
في الوقت الذي نعيش فيه أشد الفترات حرارة في التاريخ، نعلم أننا بذلك قد دخلنا «عصر آثار» الاحتباس الحراري.

تونس ليست بمنأى عن هذا الوضع. بل هي من البلدان المتوسطية الأكثر عرضة لارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات تساقط الامطار وارتفاع مستوى سطح البحر وزيادة وتيرة الظواهر المناخية القصوى.
وتصبح بذلك الحاجيات الأساسية: الحصول على المياه والإنتاج الزراعي والمحافظة على النظم الأيكولوجية والحفاظ على سلامة وتماسك المجتمع التونسي مهددة على المدى القصير. وإن آثار الاحتباس الحراري أصبحت بالفعل ظاهرة للعيان. لنذكر على سبيل المثال أن 75 % من الأراضي الخصبة مهددة بالتصحر وأنه خلال 2018 فقط، تسببت الفيضانات في ولاية نابل وحدها في أضرار بلغت قيمتها 450 مليون دينار (138 مليون يورو) بالإضافة إلى أضرار قدرت قيمتها ب 82 مليون دينار (27 مليون يورو) تكبدها القطاع الزراعي.
في تونس كما في غيرها من البلدان لم تعد مواجهة آثار تغير المناخ لتطوير المنوال التنموي ترفا بل أصبحت ضرورة ملحة.
ولمواجهة هذا التحدي بصفة جماعية، يجب التسريع بتفعيل التزامات باريس ورفع مستوى طموح الدول بشأن المناخ. وبهذه المعنويات، قررت فرنسا والمملكة المتحدة والأمم المتحدة، بالاشتراك مع الشيلي وإيطاليا، تنظيم قمة افتراضية يوم 12 ديسمبر القادم.
قبل عام من المؤتمر ال26 للأطراف (COP 26) الذي سيقام في غلاسكو بالمملكة المتحدة، ستكون هذه القمة بمثابة منصة لرؤساء الدول و الحكومات لتقديم التزامات جديدة. التزامات لن تقف عند مجرد الإعلانات بل ستكون إجراءات ملموسة من شأنها تحسين تنفيذ اتفاق باريس.
وتندرج جهود فرنسا في مواجهة التغير المناخي ضمن العمل الجماعي للاتحاد الأوروبي. 27 دولة في طريقها، اليوم، لتجاوز هدفها المتمثل في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 20 % بحلول 2020 مقارنة بـ 1990. ووفقاً للمفوضية الأوروبية، يسير الاتحاد الأوروبي في الطريق الصحيح للحد من انبعاثاته بنسبة 45 % بحلول 2030 وذلك مقارنة ب 1990، وهو يتجاوز هدف التخفيض بنسبة 40 % الذي حدده لنفسه في باريس. وقد أصبح رفع هذا الهدف إلى ما دون 55 % من صافي خفض الانبعاثات تحديا رئيسا للدول الأعضاء الـ27.
ومن جهته، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسن، يوم 4 ديسمبر، عن هدف خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 68 % بحلول نهاية هذا العقد مقارنةً بمستويات 1990. ويأتي هذا الإعلان بعد صياغة استراتيجية لثورة صناعية خضراء، في نوفمبر الماضي، والتي ستمكن من خلق 250 ألف فرصة عمل. ورغم الظروف الحالية، فقد خصصت المملكة المتحدة ما يقارب 16 مليار دولار لفائدة مشروع تمويل عالمي حول المناخ.

التزمت تونس عمليا، سنة 2015، بخفض انبعاثاتها المسببة للاحتباس الحراري بنسبة 41% بحلول 2030 مقارنة بمستويات 2010 وقدرت في مساهمتها المحددة وطنيا (NDC) احتياجاتها للحد من الانبعاثات ب 18 مليار دولار واحتياجات التكيف ب 20 مليار دولار. وقد أعدت الحكومة، في سبتمبر 2019، خارطة طريق لتحقيق ذلك. وتشارك تونس في العديد من مشاريع الدعم، التي تشمل الجهات الفاعلة في القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني والشركاء التقنيين والماليين الدوليين. وإن الجزء الأكبر (75 %) من الجهود التي أعلنت عليها تونس للحد من انبعاثات غازات الانحباس الحراري يعتمد على التحول في مجال الطاقة.
تتمتع تونس بإمكانيات عالية للنجاح في التحول نحو اقتصاد أكثرا رصانةً في استخدام الكربون وأكثر شمولا ومرونة في مواجهة الاحتباس الحراري: موقع جغرافي يسمح بتطوير الطاقة الشمسية، جيل جديد من أصحاب المشاريع المنفتحين على العالم، شباب متعلم وعلى وعي بالقضايا البيئية.
ويوفر شركاؤها وهم كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا والمملكة المتحدة بالإضافة إلى المانحين الدوليين الرئيسين بالفعل الدعم لتونس. في الشهر الماضي، خصصت المملكة المتحدة، مبلغ 10 ملايين جنيه إسترليني لمشروع سيوفر لما يقارب 10 % من الأسر التونسية – أكثر من 60 ألف أسرة – إمكانية الحصول على طاقة نظيفة وغير مكلفة .فمثلا تدعم فرنسا تونس، بفضل التسهيلات التي يوفرها برنامج Action'Adapt، من خلال الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) ومكتب فرنسا للخبرة (Expertise France)، وذلك في تعزيز حوكمة المناخ وتحسين دمج قضايا التكيف بشكل أفضل في السياسات العامة وتنفيذ برامج التكيف وتسهيل الحصول على التمويل المناخي.
كان للأزمة الصحية الناتجة عن تفشي جائحة الكورونا تأثيرا كبيرا على اقتصاداتنا وأنماط حياتنا. وقد سلّطت الضوء على مختلف نقاط وأوجه ضعفنا. كما أتاحت هذه الأزمة الفرصة لإعادة التفكير في أساليب الإنتاج وخياراتنا لمواجهة التغير المناخي بشكل أفضل. يجب أن يكون هذا العمل جماعيًا، لأنه يهمنا جميعًا: الدول والمجتمعات المحلية والشركات والمجتمعات المدنية.
تونس ملتزمة بمراجعة مستوى طموحها بشأن المناخ وتعزيز استراتيجيتها لتكيف مع السياق العالمي الجديد. لم يبق أمامها سوى أقل من سنة لتحقيق أهدافها المناخية قبل انعقاد مؤتمر غلاسكو. ونحن على يقين أنّ تونس جاهزة لرفع التحدي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا