خاص: سبر آراء نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية الاستقطاب في التشريعية بين الدستوري والنهضة وقيس سعيّد يواصل التحليق في الرئاسية

قراءة وتحليل زياد كريشان

يؤكد سبر آراء نوايا التصويت لشهر أكتوبر مرة أخرى أن التوازنات السياسية الكبرى في البلاد بصدد التحول إلى ثوابت نسبية في المشهد

- على الأقل إلى حد الآن – باستمرار القطبية الثنائية في التشريعية بين الدستوري الحر وحركة النهضة اللذين يجلبان لوحدهما حوالي نصف نوايا التصويت بينما يواصل قيس سعيد التحليق في الرئاسية والفوز بها – لو حصلت الانتخابات غدا – منذ الدور الأول وبفارق ضخم للغاية على بقية منافسيه .كما تتأكد المفارقة الكبرى في الحياة السياسية وهي الانفصام بين منطقي التشريعية والرئاسية إلى حدّ الآن..

الملاحظة الأساسية عندما ندرس نوايا التصويت في التشريعية هي النسبة الهائلة من الذين لا يعبرون عن نيتهم في التصويت أصلا بين مقاطعين ومترددين ووصلت هذه النسبة إلى رقم قياسي في شهر أكتوبر بـ%72.8.
ونجد أن نسبة العزوف هذه أو على الأقل عدم التحمس حتى لإبداء نية للتصويت مرتفعة في كل الأوساط والجهات والفئات ولكنها الأرفع في ولايات الوسط الغربي (سيدي بوزيد والقيروان والقصرين ) بـ%76.4 وعند النساء (%77) وفي الطبقة الشعبية (%78.9) وصغار الكهول (26 - 44 سنة) بـ%75.6 والأميين (%75.6) وتسجل هذه النسبة أدنى مستوياتها في الجنوب الغربي (قفصة وتوزر وقبلي ) بـ%69.1 وعند الرجال (%68.4) وخاصة لدى الطبقة المرفهة بـ%62.9 وعند من تجاوزوا الستين من العمر (%65.9) وأصحاب مستوى التعليم الجامعي بـ%68.2.
في المحصلة لو بقي العرض السياسي على حالته الراهنة إلى حدّ إجراء الانتخابات التشريعية القادمة فسنسجل أعلى نسبة عزوف في تونس منذ الثورة.

• الدستوري الحرّ يواصل تفوقه على النهضة:
لو نعود إذن إلى الذين عبروا عن نية تصويت محدد (مع العلم أن الأجوبة تلقائية أي دون تقديم أية قائمة ) سنجد أن الدستوري الحر يحافظ على المرتبة الأولى وبنفس النسبة تقريبا مقارنة بشهر سبتمبر إذ يحصل حزب عبير موسي على %26.5 من نوايا التصويت المصرح بها وتحافظ حركة النهضة على المرتبة الثانية ولكن بخسارة نقطتين ونصف مقارنة بشهر سبتمبر الفارط (%21.1 مقابل %23.6).

بعيدا عن هذا الثنائي نجد قلب تونس في المرتبة الثالثة بـ%13.7 (%11.4 في سبتمبر) والذي كما نرى لا يكتفي فقط بالصمود ،وبعيدا عن قلب تونس نجد ثنائي العادة : التيار الديمقراطي بـ%7.2 (%5.6 في سبتمبر ) وائتلاف الكرامة بـ%6.9 (%5.5 في سبتمبر ) وتحافظ حركة الشعب عل مرتبتها السادسة مع ربح حوالي نقطتين ونصف إذ تسجل %5.9 من نوايا التصويت المصرح بها .
أما الجديد فهو وجود حزبين افتراضيين من صنع رغبة بعض الناخبين وهما حزب الصافي سعيد بـ%3.6 وحزب قيس سعيد بـ%3.3،أي أن هنالك رغبة (البعض يقول مناشدة) من ناخبي هاتين الشخصيتين لخلق عرض سياسي حزبي جديد .

• مشهد 2014:
لو نمعن النظر في هذه النتائج الإجمالية لنوايا التصويت المصرح بها ودون اعتبار النسبة المرتفعة للغاية لغير المصرحين فسنجد أنفسنا تقريبا أمام نفس المشهد الذي أنتجته انتخابات خريف 2014 ولكن بتشظي المكونين الأساسيين حينها : النداء والنهضة إلى عنصرين غير متكافئين فنداء تونس الذي أحرز على %37.6 من الأصوات في 2014 يعوض اليوم بالدستوري الحرّ (%26.5)وقلب تونس (%13.7) واللذان يزنان مع بعضهما البعض %40.2 من نوايا الأصوات أما نهضة 2014 والتي أحرزت على %27.8 فهي تتوزع اليوم إلى نهضة 2020 بـ%21.1 وائتلاف الكرامة بـ%6.9 والمجموع %28 يساوي نتائج 2014 وهذا ليس حدسنا فقط بل ما تفيده كل عمليات سبر الآراء عندما نسال المستجوبين عن تصويتهم سنة 2014.

فنحت إذن أمام نفس العرض السوسيولوجي بنداء أكثر راديكالية (الدستوري الحر) وخاصة في عدائه للإسلام السياسي وفي تأكيد ولائه للحزب الدستوري بما في ذلك في صيغته الأخيرة مع التجمع الدستوري الديمقراطي وشق ثان (قلب تونس) غير صدامي مع الحركة الإسلامية ويشتغل على نوع من الهوية الاجتماعية لما يسمى بهذه العائلة الوسطية .
نفس الأمر نلاحظه في العائلة الاسلاموية مع حركة النهضة التي مازالت تستأثر بجلّ التمثيلية في هذا الوسط ولكن الآن مع منافسة واضحة من ائتلاف الكرامة الذي يمثل الشق الأكثر راديكالية في العرض الاسلاموي ،والفرق الوحيد بين هاتين العائلتين هو استمرار الصراع في الأولى (النداء التاريخي ) بينما يسود الوئام – إلى حد الآن – في الثانية ..
ويمكن أن نستمر في المقارنة «البنوية» بين 2014 و2020 فنقول بان المعارضة اليسارية التي كانت تمثلها الجبهة الشعبية في 2014 قد تحولت الى الثنائي التيار الديمقراطي وحركة الشعب لا من حيث التموقع الاقتصادي الاجتماعي بل في نوع المعارضة المستندة إلى مبادئ الثورة ضد القطبين المهيمنين .

• نوايا التصويت للرئاسية : قيس سعيد فوق الجميع:
لا وجود لأي شكل من أشكال التنافس مرة أخرى في نوايا التصويت للرئاسية إذ يحلق قيس سعيد كالعادة فوق الجميع ويمر بيسر كبير منذ الدور الأول لو حصلت الانتخابات الرئاسية غدا ..
يحصل قيس سعيد في نوايا التصويت على حوالي ثلثي المستجوبين (%64.8) ولا يترك سوى الفتات لثالوث يتكون من الصافي سعيد (%9.0) ونبيل القروي (%8.9) وعبير موسي (%6.9) وتزاد قوة الأرقام عندما نعلم أن أكثر من نصف المستجوبين يعلنون على نية ايجابية للتصويت (%51.8) على عكس ماهو حاصل في التشريعية حيث تنزل هذه النسبة الى %27.2 .

ويبقى دوما الإشكال غير المفهوم ، في ظاهره على الأقل،هو عدم التناسق بين منطقي التشريعية والرئاسية، فالأحزاب المتقدمة في التشريعية لا تتمكن من البروز في الرئاسية والعكس بالعكس فسنة كاملة بعد انتخاب قيس سعيد بصفة شبه أجماعية ومع استمرار شعبيته والثقة فيه بشكل غير مسبوق إلا أن هذا الزخم لم يتحول بعد من الشخص إلى المشروع ..
هذه هي التوازنات السياسية كما تتجلى سنة واحدة بعد الانتخابات العامة في خريف 2019.. متغيرات وثوابت ولكن عدم الرضا الإجمالي على العرض السياسي الحزبي الحالي قد يفتح آفاق جديدة لعروض سياسية غير كلاسيكية ..
الصورة النهائية لم تتحدد بعد..

• في عدد قادم:
الباروميتر السياسي لشهر أكتوبر
الوضعية النفسية للتونسيين
وتقييمهم للأوضاع العامة والخاصة
وللشخصيات والهياكل والمؤسسات
الجذاذة التقنية للدراسة:

• العينة: عينة ممثلة للسكان في الوسط الحضري والريفي مكونة من 2038 تونسيا تتراوح أعمارهم بين 18 سنة وأكثر.
• تم تصميم العينة وفق طريقة الحصص (Quotas) حسب الفئة العمرية ، الولاية، الوسط الحضري أو الريفي.
• طريقة جمع البيانات: بالهاتـــف
CATI) Computer Assisted Telephone Interviewing, Call-Center)
• نسبة الخطأ القصوى: %2.2
• تاريخ الدراسة: من 7 إلى 18 أكتوبر 2020

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا