خاص: منسوب التشاؤم يتراجع بأربع نقاط لكنه يبقى مرتفعا للغاية 75،6 ٪ البلاد تسير في الطريق الخطإ

قراءة وتحليل زياد كريشان
الباروميتر السياسي الذي تعده شهريا مؤسسة سيغما كونساي بالتعاون مع جريدة «المغرب» منذ جانفي 2015 جاء ليؤكد المستوى المرتفع للتشاؤم

عند التونسيين (%75.6) وذلك رغم تراجعه النسبي بأربع نقاط كما نلاحظ استمرار تصدر قيس سعيد لمنسوب الثقة عند الشخصيات العامة متبوعا بعد اللطيف المكي .وفي المقابل يواصل راشد الغنوشي احتلال صدارة ترتيب الشخصيات التي لا يثق فيها التونسيون تماما متبوعا بيوسف الشاهد ..
الطريف هنا هو دخول رئيس الحكومة الجديد هشام المشيشي لمؤشر منسوب الثقة المرتفعة في المرتبة السادسة واحتلال الياس الفخفاخ رئيس الحكومة الأسبق للمرتبة الخامسة في مؤشر انعدام الثقة بعد أن ظل لبعض الأشهر في المرتبة الثانية في المؤشر الأول.
يبدو أن منح الثقة لحكومة جديدة خلال الشهر الماضي قد قلّص إلى حدّ ما من سنوات التشاؤم والتخوفات ولكنه يظل مع ذلك مرتفعا للغاية إذ يشمل ثلاثة أرباع المستجوبين ليواصل بذلك في نسق عال للشهر الثالث على التوالي .
لو نظرنا إلى كل المحددات السوسيولوجية للعينة من جنس وسن ومستوى اجتماعي ومعرفي وانتماء جهوي لما وجدنا حالة واحدة ينزل فيها التشاؤم دون %70 باستثناء تونس الكبرى بـ%69.4 ولما وجدنا كذلك فئة تتجاوز %80 باستثناء الجنوب الشرقي (قابس ومدنين وتطاوين) بـ%81.7 وأصحاب مستوى التعليم الابتدائي بـ%80.9 أي أن المجال العام للتشاؤم في البلاد وفي كل فئاتها وجهاتها منحصر تقريبا بين %70 و%80 وهو يدل على أن التونسيين يكادون يتساوون هذه المرة في منسوب التشاؤم فهم وإن فرقتهم السياسة والإيديولوجيات أو الانتماءات الفئوية فالتشاؤم اليوم يوحد الجميع !!

• تقييم التونسي للحاضر وللمستقبل
لاشك أن الوضع المالي للفرد ولأسرته بالمعنى العام للكلمة هو أهم عنصر من خلاله يقيم التونسي موقعه وانتظارته ..وهنالك سؤال نعيده منذ فترة طويلة في كل باروميتر سياسي وهو : قارن الوضع المالي لأسرتك هذه السنة بالنسبة الفارطة فيجيب الثلثان (%67.7) بأنه أسوأ والخمس(%21.1) بأنه لم يتغير والعشر فقط (%10.6) بأنه تحسن .وعندما ندقق أكثر في مستويات الإجابة نجد أن الوضع ساء كثيرا بالنسبة لـ%44 وتحسن كثيرا بالنسبة لـ%3 فقط وهذا يعطينا المفتاح الأساسي لفهم تفشي التشاؤم في كل فئات المجتمع .
ولكن من الخطإ الاعتقاد بان التونسي قد فقد الأمل بإطلاق إذ نرى شبه تعادل بين من يعتقد أن الوضع المالي لأسرته سيكون أفضل في السنة القادمة من هذه السنة (%38.7) في حين يعتقد عكس ذلك %36.4 ولكن عندما نرى الإجابات القطعية (أسوا بكثير أو أحسن بكثير) يعود التشاؤم النسبي فنسبة الأول هي ضعف نسبة الثواني (22.8 %مقابل 10.6%) ويعود التشاؤم ليطغى من جديد هذه المرّة عندما يسأل التونسي عن وضعية الأجيال القادمة مقابل الحاضر الآن فهو يراها أسوأ بـ%54 (منها %40 أسوأ بكثير ) مقابل %36.2 يتوقعون التحسن (%17.7 أحسن بكثير) .

• الثقة الكبيرة في الشخصيات السياسية
مازال قيس سعيد في طليعة مؤشر الثقة الكبيرة بـ%51 رغم خسارته لثلاث نقاط وهو دوما متبوع بعبد اللطيف المكي وزير الصحة السابق والقيادي النهضاوي بـ%37 والذي خسر بالمنسابة 6 نقاط في شهر واحد .ويتبع هذا الثنائي ثالوث تقليدي : الصافي سعيد بـ%29 ثم المنصف المرزوقي بـ %24 فعبير موسي بـ%21 ثم نجد شخصا يدخل هذا الترتيب لأول مرة : رئيس الحكومة الجديد هشام المشيشي في المرتبة السادسة بـ%20 .
نحن هنا أمام ظاهرة طبيعية فكل معتل جديد لسدة الحكم يقرض قرضا حسنا من قبل جزء هام من التونسيين وهو عادة ما يخرج من دائرة الظلام إلى دائرة النور ويحتل المراتب الأولى في مؤشر الثقة منذ البداية ولكن التجربة التونسية والدولية تثبت أن الأصعب هو البقاء في القمة لا الوصول إليها .

• انعدام الثقة التامة في الشخصيات السياسية
لا جديد يذكر كذلك في مؤشر انعدام الثقة التامة في الشخصيات السياسية فراشد الغنوشي مازال في المرتبة الأولى دون منازع بـ%68 يليه يوسف الشاهد بـ%60 فنبيل القروي بـ%57 ثم علي العريض بـ%55 فالقادم الجديد إلى هذه القائمة : الياس الفخفاخ رئيس الحكومة الأسبق بـ%52. في هذا الخماسي لدينا رئيس البرلمان الحالي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وثلاث رؤساء حكومات سابقين يوسف الشاهد وعلي العريض والياس الفخفاخ ثم رئيس حزب والمتنافس في الدور الثاني للرئاسية نبيل القروي،وهذا الخماسي يكشف لوحده عن عمق الفجوة بين المواطنين وبعض الأحزاب والشخصيات السياسية المهيمنة على الساحة ، وهذه المفارقة هي التي توصف أفضل توصيف أزمة المنظومة الحزبية اليوم .

بيّن نوايا التصويت والباروميتر السياسي كنا نشرنا يوم الأحد سبر آراء نوايا التصويت في التشريعية والرئاسية والذي حافظت فيه الأحزاب تقريبا على نفس المواقع : تقدم الدستوري الحر (%27.2) على النهضة (%23.6) وتأخر قلب تونس عن هذا الثنائي ولكن دون أن ينهار (%11.4) فالتيار الديمقراطي (%5.6) وائتلاف الكرامة (%5.5) ثم كيف أن قيس سعيد يحلق في الرئاسية وانه إلى حد الآن لا منافس جدي له .

والملاحظة الأهم كانت حول تراجع الحزب الدستوري الحر بثماني نقاط ما بين شهري أوت وسبتمبر والسؤال المنطقي :: ما الذي يفسر هذا ؟..حاولنا يوم الأحد تقديم بعض الإجابات والآن نضيف إليها عنصرا آخر يتعلق بالباروميتر السياسي وهو أن منح الثقة لحكومة المشيشي قد يكون جزئيا وراء هذا التراجع وقد يفسر أيضا الحدود السوسيولوجية للمعارضة الراديكالية لمنظومة الحكم ما بعد الثورة فالواضح أن «الهدنة» التي تطالب بها بعض الأحزاب هي كذلك مطلب قوي داخل الرأي العام ، وهذا ما يجعل من بريق الأحزاب الراديكالية يخفت إلى حد ما ولكن الواضح كما أكدنا ذلك يوم الأحد أن الحزب الدستوري الحر أضحى لاعبا أساسيا في المشهد وان تصدره لنوايا التصويت منذ ثلاثة أشهر لم يأت من فراغ .
الملاحظة الثانية تتعلق بنوايا التصويت والثقة الكبيرة في الشخصيات السياسية .قد يعتقد بعضهم أن هنالك علاقة طردية بين الأمرين ولكن هنالك في الحقيقة فرق شاسع بين نوايا التصويت وبين الثقة الكبيرة في الشخصيات السياسية .. فالثقة ولاشك عنصر من عناصر الاختيار في التصويت ولكن هنالك عناصر أخرى هامة كالقرب الفكري أو السياسي والقدرة على الفوز أو الحكم والكفاءة في القيادة وغيرها ..

كل هذه الأبعاد تتداخل في صنع اتجاه التصويت لدى كل شخص وما كل ثقة كبيرة تتحول إلى أصوات كثيرة يوم الاقتراع .

الجذاذة التقنية للدراسة:

• العينة: عينة ممثلة للسكان في الوسط الحضري والريفي مكونة من 2011 تونسيا تتراوح أعمارهم بين 18 سنة وأكثر.
• تم تصميم العينة وفق طريقة الحصص (Quotas) حسب الفئة العمرية ، الولاية، الوسط الحضري أو الريفي.
• طريقة جمع البيانات: بالهاتـــف
CATI) Computer Assisted Telephone Interviewing, Call-Center)
• نسبة الخطأ القصوى: %2.2
• تاريخ الدراسة: من 6 إلى 9 سبتمبر 2020

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا