توفيق بن بريك في السجن ؟ !

لمعرفة الحق في كل مجال لابدّ من الابتعاد عن التفاصيل والهوامش والجزئيات الملتصقة به لننظر إلى المسألة

عن بعد وفي منطقها العام لا في جزئيات تشكلها الحينية ..
لقد قضت محكمة تونسية على توفيق بن بريك بالسجن النافذ لمدة سنة بتهمة ثلب القضاة ، ورأينا كيف أن هياكل ممثلة للقضاة (جمعية القضاة أساسا ) تستنكر ما تعتبره تشويها للقضاء وتبرر ، تبعا لذلك ، سجن توفيق بن بريك لاقترافه جريمة الثلب عندما علق على إيقاف نبيل القروي في الصائفة الماضية على قناة نسمة ..
لا نريد الدخول في تفاصيل كأن نتحدث عن أولوية تطبيق المرسومين 115 و116 في وضعية الحال بدلا عن المجلة الجزائية أو في تعريف أركان الثلب أو في المرض المزمن الذي يعاني منه الكاتب والصحفي توفيق بن بريك وما يسببه إيقافه وسجنه من خطر مهدد لحياته .
كل هذا ،وغيره،تفاصيل قد تشوش علينا الصورة الكاملة ..
بدأ توفيق بن بريك حياته المهنية في أواخر ثمانينات القرن كصحفي في جريدة «الصحافة» الحكومية ،وكلما ضاقت عليه مساحة الحرية آنذاك «لجأ» إلى مجلة «المغرب» رفقة زوجته الصحفية عزّة زراد لإنجاز تحقيقات استثنائية فيها عمل ميداني واسع وشجاعة سياسية وأدبية نادرة في تلك الأيام ..
وواصل توفيق بن بريك حياته صحفيا وكاتبا متمردا وتحدى منذ وقت باكر بن علي كما لم يتحداه أحد ..
توفيق بن بريك كاتب مستفز ونقده لاذع ، فهو ينقد بضرب المطرقة على حدّ عبارة الفيلسوف العظيم نيتشة، كلماته لا تعرف ما نسيمه نحن بالاتزان ولا تترك مجالا لهدنة ما..
ما لا ينبغي أن ينساه أحد في تونس -لا اليوم ولا غدا- وأيا كان رأي كل واحد منا في ما كتبه ويكتبه وسيكتبه توفيق بن بريك أن هذا المتمرد قد خطّ نهجا لم يسبقه إليه أحد وقد تحدى إعلاميا وأدبيا وجسديا نظاما لا يقيم أدنى وزن لحرية ولكرامة الأفراد ..
لقد حاصر توفيق بن بريك لوحده نظام بن علي وألّب ضده كل الرأي العام الديمقراطي العالمي ..
يفرض الإنصاف على الجميع الإقرار بفضل توفيق بن بريك في كسر جدار الخوف وفي فضح عورة الحاكم وسوءته فله بهذا أياد بيضاء على الثورة التونسية ..
واصل توفيق بن بريك حياة الكتابة والتمرد بعد الثورة ودخل في خصومات ومعارك قد نختلف في تقييمها كما نختلف في تقييم كل شيء ..
ألفاظ توفيق بن بريك دوما نارية وهي لا تعرف ما معنى المهادنة .. هل هو على صواب في كل ما قال ؟
قطعا لا، ومن منّا على صواب في كل ما قال ؟
ومن منّا لم يخطئ أحيانا في اختيار ساحات معاركه ؟ ومن منّا من لا يؤخذ منه ويرّد عليه؟ ولكن كم من فرد منّا تجرّأ على كسر جدار – بل سور – الخوف ؟ هنا لن نجد إلا العدد القليل جدا وسنجد دوما توفيق بن بريك في مقدمتهم ..
توفيق بن بريك لا يكتب ولا يتحدث ولا يتحرك كسائر الكتاب وأصحاب القلم فله عالمه الخاص، عالم نيتشوي ما في ذلك من شك ..عالم يعجبك من بعيد ولا تجرؤ على مسايرته من قريب ...
قد تكون كلمات توفيق بن بريك جارحة وقد يعتبر بعضهم أنها تظلمهم وتزدريهم ولكن أن تحاكم عدالة ما بعد الثورة أحد أهم وأبرز من جعل من هذه الثورة إمكانية تاريخية تجسمت في ما بعد بفضل تضحية ونضالات عشرات الآلاف من التونسيين فذلك عين العبث بالمعنى الوجودي للكلمة ..
لا يمكننا أن نتصور حياة توفيق بن بريك بين جدران زنزانة ومن وراء قضبانها..حياة توفيق بن بريك لا معنى لها إلا بين الكتب والكلمات والأصدقاء والأهل والأحبة حتى وإن قسا على بعضهم.
عار على تونس اليوم أن تسجن أحد أهم من ساهم في تحريرها من ربقة الخوف ..
صحيح أن الثورات تأكل أبناءها ولكن شرفها أن تفخر وتفاخر بهم وتتجاوز كل الجزئيات والهوامش والتفاصيل في حقهم ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا