تونس والأزمة الليبية: الحفاظ على ثوابت الدبلوماسية التونسية ...المهمة الصعبة

تتسارع التطورات في ليبيا ويبدو أنّها تتجه شيئا فشيئا الى صراع أمريكي -روسي -تركي جديد على الأرض الليبية .

وتثير مثل هكذا سيناريوهات مخاوف دول الجوار الليبي -وبينها بلادنا- من تداعيات ما يحصل وانعكاساته على أمننا القومي . فتونس كانت طوال الأعوام الماضية من أكثر الدول تأثرا وتضررا بالأزمة الليبية. واليوم وفيما يشتد النزاع في بلد عمر المختار وتُدق طبول الحرب الكبرى ، تعيش الخضراء على وقع ضغوطات كبيرة من أجل الإصطفاف مع أحد المحاور المتقاتلة في ليبيا سواء الداخلية او الخارجية.

ويبدو ان الرهان اليوم صعب والسؤال الأكثر الحاحا هو كيف تحافظ تونس على ثوابتها الدبلوماسية القائمة بالأساس على مبدإ الحياد الايجابي وعدم الإصطفاف والإنسياق وراء سياسة المحاور ؟ وذلك في خضم هذه المتاهة الليبية وفوضى التدخلات الأجنبية العسكرية والسياسية والمخابراتية فيها .

حرب الاشاعات
يرى البعض ان هناك محاولات من قبل عديد الأطراف الدولية والإقليمية المتدخلة في الملف الليبي للزجّ بتونس في ساسة المحاور . وتأتي «حرب الاشاعات» في هذا السياق، فتناقل بعض وسائل الإعلام التركية خلال اليومين الماضيين أخبارا تتعلق بانقلاب مزعوم على السلطة او عرض أخبار تتحدث عن مظاهرات واحتجاجات عارمة في سبع ولايات ، تريد ان تُظهر للعالم بأن الوضع في تونس هشّ وأنها مهددة وبالتالي لا سبيل أمامها سوى الاصطفاف ، وحرب الإشاعات هي أخطر أنواع الحروب ويمكن ان تكون عاملا مهددا للاستقرار العام في أي بلد . فتونس تحتل موقعا استراتيجيا هاما ولها خصوصيتها التاريخية والجغرافية في محيطها الاقليمي وكل طرف من الأطراف المتقاتلة في ليبيا يحاول جاهدا وبشتى الوسائل توظيف هذا الموقع لصالحه سواء في عمليات الإمدادات العسكرية او غيرها . ولكن تشددّ رئاسة الجمهورية دائما في كل المناسبات على موقف تونس الواضح والثابت فيما يخص الأزمة الليبية والقائم بالأساس على دعم الحل السلمي ورفض الحل العسكري». كما ان الإجتماع الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم الخميس 30 أفريل الماضي بقصر قرطاج والذي خصص للنظر في الأوضاع في ليبيا، بمشاركة كل من رئيس الحكومة السيد إلياس الفخفاخ ووزيرة العدل السيدة ثريا الجريبي ووزير الدفاع السيد عماد الحزقي ووزير الداخلية السيد هشام المشيشي ووزير الشؤون الخارجية السيد نورالدين الري»، تمّ التأكيد خلاله على أن تونس ترفض أي تقسيم للشقيقة ليبيا مهما كان الشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا التقسيم. كما جددّ المجتمعون على تمسّكهم بالشرعية الدولية مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون الحل ليبيا ليبيا دون أي تدخل أجنبي ، لأن القضية هي قضية الشعب الليبي وليست مسألة دولية» .كما أكدوا على أن تونس هي أكثر الدول تضررا من تفاقم الوضع في ليبيا، وعلى المجموعة الدولية ان تضع في الاعتبار الأضرار التي لحقت تونس ومازالت تطالها.

وتمخضّ عن هذا الاجتماع تكوين «مجموعة عمل» على مستوى رئاسة الجمهورية تجمع كل الأطراف المتدخلة وتتولى، فضلا عن تنسيق العمل، استشراف المستقبل، والتحسب لأي طوارئ.في ما يتعلق بالملف الليبي».

رفض سياسة المحاور
فالسؤال الصعب اليوم هو كيف يمكن لتونس ان تحافظ على حيادها الإيجابي في الأزمة الليبية ؟ خاصة ان هناك أطراف تحاول من خلال حرب الاشاعات الزجّ ببلادنا في سياسة المحاور. هنا يؤكد رئيس الجمهورية بان الحياد المطلوب ليس بمفهومه السلبي مما يعني «عدم الدخول في سياسة المحاور». ولئن كانت الرئاسة شحيحة في خطاباتها -ويأتي ذلك ضمن سياستها الاتصالية -ولكن ما صدر عنها طيلة المدة الأخيرة حول الأزمة الليبية واضح وفيه تأكيد على ان تونس ضد تقسيم ليبيا ولن تتخندق مع أي طرف. هذا ما أكدته مصادر خاصة في رئاسة الجمهورية لـ«المغرب» وأوضحت ان الاصطفاف في سياسة المحاور ليس واردا في تونس ولا سبيل له بأي شكل من الأشكال وان تونس لديها ثوابتها الدبلوماسية التي لا حياد عنها « . كما أضافت المصادر بأن تونس ليس من مصلحتها ان تكون في أي محور من المحاور وهو موقفها الرسمي اليوم وغدا ولن يتغير». وهذا ما تؤكده الرئاسة ايضا في كل اتصالاتها الخارجية ، ففي المباحثات الهاتفية التي جمعت الرئيس قيس سعيد برئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج تمّ التأكيد على رفض الحلول العسكرية وان تونس تدعم الحل الليبي – الليبي . هذا الموقف ايضا تمّ التشديد عليه خلال اتصال رئيس الجمهورية مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مارس الماضي، حيث تعرض الرئيسان في هذه المكالمة إلى الوضع في ليبيا. وذكّر الرئيس قيس سعيد بالمبادرة التي قام بها والتي تقوم على أن الحل لا يمكن أن يكون إلا ليبيا ليبيا .

الجدل حول الأفريكوم
في اطار الضغوطات التي تتعرض لها بلادنا أيضا جاء البيان الأخير الصادر عن القيادة العسكرية الأمريكية في افريقيا «الأفريكوم» حول إمكانية نشر قوات في تونس على خليفة الأنشطة العسكرية الروسية المتزايدة في ليبيا ، ليثير زوبعة وعاصفة من الجدل والانتقادات والمخاوف لدى التونسيين خشية من تبعات هذا الوجود الأمريكي . هذا الجدل الكبير دفع الأفريكوم الى اصدار بيان توضيحي آخر جاء فيه ان « لواء المساعدة» هو وحدة تدريب صغيرة تندرج ضمن برنامج المساعدة العسكرية وليست وحدات مقاتلة . كما ان السفارة الأمريكية في تونس سارعت هي ايضا الى اصدار بيان نفت فيه الأنباء التي تتحدث عن عزم أمريكا نشر قوات في تونس مشيرة الى انها قوات مساعدة أمنية للتدريب .
ويرى البعض ان اصدار هذا البيان محاولة أمريكية لجسّ النبض ومعرفة مدى قبول الرأي العام التونسي لأي تواجد أمريكي عسكري سواء تدريبي او لأهداف أخرى . وفي الحقيقة فإنها ليست المرة الاولى التي تتعرض فيها البلاد لمثل هذه الضغوطات ، فطوال الأعوام الماضية وحتى في عهد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي كانت هناك محاولات أمريكية لتواجد عسكري ، ولكنها كانت في كل مرة تجد الرفض القاطع من قبل التونسيين .

يشار الى ان الولايات المتحدة تجمعها بتونس علاقات جيدة جدا ولها جذورها التاريخية فأول قنصليّة أمريكيّة بتونس تمّ بعثها في عام 1800 . وكانت الولايات المتحدة من الدول التي دعمت نضال الشعب التونسي من أجل استقلاله ونسج زعماء المقاومة علاقات طيّبة مع الولايات المتّحدة التي كانت أوّل قوّة عظمى تعترف بسيادة الدّولة التّونسيّة يوم 17 ماي 1956. وتزداد اليوم علاقات الصّداقة والتّعاون بين الولايات المتّحدة الأمريكيّة وبلادنا في إطار يسوده التّفاهم المتبادل والاحترام ولكن الحديث عن أي وجود عسكري أمريكي أمر غير مطروح من قبل التونسيين ولا سبيل إليه. وهذا يعود بالأساس الى ثوابت الدبلوماسية التونسية التي لا تتغير مع تغير الطبقة السياسية وتعود الى إرث دستوري وقانوني كبير .فتونس لطالما قامت على مبدأ القانون والمؤسسات وليس صدفة ان ينبثق منها أحد أقدم و أعرق الدساتير المكتوبة في التاريخ وهو دستور قرطاج الذي يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد ليكون أوّل شكل من أشكال التنظيم السياسي المقنن في البلاد، وقد ذاع صيت جمهورية قرطاج الديمقراطية في حضارات العالم القديم وكتب عنها أهم علماء الفلاسفة والمؤرخين مثل أرسطو وأفلاطون والمؤرخ اليوناني الكبير بوليبيوس وغيرهم ...فكل هذا الارث الحضاري القديم ، فضلا عن وقائع التاريخ والجغرافيا ومصالح تونس الأمنية والسياسية والاقتصادية ..كلها تفرض على بلادنا ضرورة الحفاظ على توازن موقفها وتمسكها بثوابتها الدبلوماسية ، ليس فقط في الأزمة الليبية بل في كل ما يتعلق بسياسات تونس الخارجية ...وهذا هو الطريق الوحيد الذي يجنبّ بلادنا جمر البركان الليبي وحرائقه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا