تغيير النظام السياسي والانتخابي والمصالحة مع رجال الاعمال: معارك الرئيس القادمة مع البرلمان

لم يمر عيد الفطر دون ان يتوجه رئيس الجمهورية قيس سعيد بكلمة الى التونسين، بات مضمونها معلوما للجميع ، فقد مثلت الحدث السياسي الابرز،

كيف لا وقد أعلن الرئيس في كلمته عن انطلاق معاركه ضدّ من يجمعهم «مرض في النفس» في صدامهم مع الرئيس وان فرقت بينهم الغايات والمقاصد.

لم يخرج قيس سعيد رئيس الجمهورية عن معجمه الخطابي في كلمته التي توجه بها مساء السبت الفارط لتهنئة التونسيين بحلول عيد الفطر، فالرجل حافظ على نهجه الخطابي القائم على السجال والمفردات القرآنية والدينية و الاشعار القديمة ومفاهيم قانونية، كلها تتألف لتشكل خطابا يقدم فيه الرئيس رؤيته للرهانات السياسية القادمة ولعلاقته ببقية الفاعلين في المشهد.
فرئيس الدولة الذي اختار ان تتضمن تهنئته بالعيد تذكيرا بالظروف التي مرت بها تونس ومدى صعوبتها وكيف ان العراقيل تبرز مع كل خطوة، بعضها «طبيعي لأن الوضع غير مألوف، وبعضها أملته الظروف أو اقتضته التبعات والتطورات والمراجعات» وفق قوله.

وقد أراد الرئيس بتذكيره ان يمهد لاستعارة بيت شعر للمتنبي «عيد بأية حال عدت يا عيد» وهو فاتحة عن اعلانه عن معاركه القادمة مع من قال انهم يطاردون «أضغاث الأحلام» وهؤلاء الذين يقول عنهم الرئيس انهم «اعتكفوا لترتيب الاوضاع وتحقيق أحلامهم»، هم ثلاثة فرق، الاولى من يحنون الى ما مضى وآخرون هم من « يهيئون أنفسهم لأنفسهم بما يحلمون وبما يشتهون»، والفرقة الثالثة هي من وصفه اهلها بأنهم يمارسون «النفاق والرياء والكذب والافتراء».

هذا الثلاثي يتم ذكره باشكل عديدة في الخطاب كما انهم يتقاسم صفات مشتركة اولها ان قلوبهم اصابها المرض او كما قال الرئيس مستشهدا باية قرآنية «من في قلوبهم مرض» وهؤلاء قال الرئيس انه لن «يرد عليهم» لكنه يأمل في شفائهم، وما قصده الرئيس بهذا الثلاثي هم اربعة اطراف بات ذكرهم تلمحيا او تصريحا متلازما في كلمات الرئيس، حركة النهضة مصحوبة بائتلاف الكرامة والدستوري الحر.

ثلاثي يضاف اليه طرف اخر يمتد بدوره ليشمل كل من «يستعد للفوضى» ومن بينهم من «يتنقل لإضرام النار في ممتلكات هذا الشعب» ، في تعليقه على الحرائق الاخيرة التي يلمح إلى أنها بفعل فاعل يبحث عن خلق الفوضى والارتباك في المشهد لتحقيق ما سبق وتمت الاشارة اليه في حديثه عن المجموعة التي تهيئ لنفسها ما تشتهيه.
هذه الاطراف التي وسمها الرئيس بصفات ونعوت في كلمته دون تحديد صريح لها، هي العدو الذي يواجهه «الشعب» الباحث عن حقه في الحياة و حفظ كرامته ومواطنته «في وطن له فيه كل الحقوق لا يكون ساكنا لبيت يقطنه بالإيجار» . لكن البعض ممن لا يمكنهم إلا العيش في الفوضى يحولون دون تحقيق ذلك سواء بالبحث عن الأزمات او افتعال القضايا الوهمية.

والفوضى لا تقتصر على ما يراد ان يقع جر الشارع اليه وفق الرئيس بل تشمل ايضا فوضى المفاهيم، هؤلاء لم يحسنوا التمييز بين الشرعية والمشروعية وغفلوا عن ان «للدولة مؤسساتها وقوانينها وللمواطنين حقوقهم، وهي ليست مجال سجال أو سوقا للصفقات التي تبرم في الصباح وفي المساء».

هذا الجزء من الخطاب المخصص لتحديد خصوم الرئيس او الاطراف التي ستنطلق معاركه معهم قريبا، لم يكن موجها لمن ذكروا بصفاتهم بل الى «الشعب» الذي يرغب الرئيس في ان يحدد لهم من هم اعداؤه فلم هم كذلك. فوفق الرئيس فان الدستوري الحر الباحث عن العودة للوراء والنهضة التي تهيئ لرئيسها ورئيس البرلمان موقع اللاعب الاول في المشهد وائتلاف الكرامة الحليف الاول للنهضة ، هم من يفتعلون معارك هامشية للحيلولة دون تحقيق امال الشعب وحقه.

وهنا ياتي دور الرئيس الذي لم يغب عنه ان يتوجه لمن انتخبوه في 2019 ليعلمهم ان الجائحة هي من حالة دون ان يتقدم بمشاريع قوانين، بعضها جاهز والاخر في طور الإعداد ولكن الان بات بإمكانه ان يتقدم بمبادرات تشريعية قامت عليها حملته الانتخابية، وأولها تغيير النظام السياسي وتعديل القانون الانتخابي. ولكن ايضا قانون يتعلق باسترجاع الاموال المنهوبة وفق تصور كشفه الرجل في اكثر من مناسبة ويقوم على مصالحة مع رجال الاعمال المتورطين في شبهات فساد او استيلاء على المال العام مقابل استثمارات في الجهات الداخلية.

اي ان الرئيس حدد في كلمته ابرز المعارك التي سيقبل عليها خلال الايام القادمة، اذ شدد على انه ينطلق بعد أن تمت محاصرة جائحة الكورونا «ليحاصر كل الجوائح الأخرى» ، الطبيعية والمفتعلة والمحاصرة وسيكون ذلك بنصوص قانونية «فيها تجديد»، وهذه اشارة ثانية الي ان معاركة القادمة ستكون بالأساس مع مجلس النواب.
معركة إذا كان الرجل قادرا على ان يصل الى توافق مع البرلمان بخصوص مبادرة المصالحة مع رجال الاعمال فأنها ستكون حامية الوطيس ان تعلقت بتغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي ، اذ ان الرئيس وبشكل صريح اختار ان ينتقل في الصراع بينه وبين المجلس الى مستوى جديد كليا وهذا لا يتعلق بقدرته على تمرير تعديلات النظام السياسي بل في «محاصرة» الكتل البرلمانية وخاصة النهضة وائتلاف الكرامة في الزاوية وسلبهما المشروعية الثورية.

محاصرة يدرك الرئيس انها ستطال كافة كتل البرلمان، وهو يعلن بشكل صريح عن اختلافاته مع اربعة منهم سيكونون في تحالف غير مباشر لافشال مبادرات الرئيس ولضمان تحقيق المجلس لتحكم كلي في المشهد السياسي.

معارك الرئيس ستوحد بين النهضة والدستوري الحر، فكلاهما بات في حرب مفتوحة بعد خطاب العيد مع الرئيس الذي يبدو انه اعد بقية خطة للحرب.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا