ما بعد الدور الأول للانتخابات الرئاسية المبكرة: العائلة الديمقراطية التقدمية ومحاولة تجاوز الخسارة

مع انقضاء أيام النحيب وامتصاص صدمة نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية بالنسبة للأحزاب المحسوبة علي العائلة

الديمقراطية التقدمية، حل زمن الفعل السياسي لتعلن هذه الأطراف عن مواقفها وقراءتها للنتائج وما استخلصته منها ضمن سياق مشترك بينها يختزل في «تعويض الخسارة» وإلقاء المسؤولية على أطراف أخرى.

مع الساعات الأولي لإعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات عن غلق مراكز الاقتراع وانطلاق عملية الفرز وتزامن ذلك مع صدور نتائج سبر الآراء المتعلق بنتائج الانتخابات في الدور الأول من الرئاسية، اطل عدد من المترشحين ليعلن عن قبوله بنتائج الصندوق ويهنئ الشعب التونسي بانتخاباته، فيما اختار بعضهم الصمت الي ان يستوعب ما حدث واي طريقة يتبعها لمعالجة التداعيات.

خيار التزم به عدد لابأس به، من المترشحين خاصة من الأحزاب التي تنتسب للطيف السياسي الممتد من الحر الدستوري الى الجبهة الشعبية بشقيها، لكنه لم يدم طويلا بالنسة لهم ليعلن طيف واسع منهم عن قراءته للنتائج وما استخلصه منها، خاصة وان النتائج افرزت مرور مرشحين احدهما من خارج منظومة الاحزاب والثاني كان منها وانسلخ عنها ليشكل مشروعه السياسي الجديد.

هوية المرشحين كانت حاضرة بكل وضوح في قراءة نتائج الدور الاول خاصة بالنسبة للطيف السياسي المنتسب الي ما يعرف بـ»العائلة الديمقراطية التقدمية» التي تمتد من الوسط الي اليسار، فهذه الاحزاب على تعددها واختلاف مشاربها وثوابتها السياسية التقت في نقطتين، الاولى هي النزعة العقابية للناخب التونسي وغضبه من النخبة السياسية التقليدية هذا بالاضافة الي هوية المترشحين العابرين للدور الثاني.

في هذه النقطة ورغم اختلاف الخطاب ومفرداته الا ان جل احزاب هذه العائلة تشترك في استراتيجية واضحة، تقوم على اعتبار ان ما حصل هو نتيجة للأخر، وهنا يختلف الأخر باختلاف اسم الحزب، فهو منظومة الحكم وأحزابها المتحالفة مع الفساد بالنسبة لليسار والوسط الاجتماعي، وهي المافيا واللوبيات والنيران الصديقة بالنسبة لتحيا تونس، وهي الطمع وقلة البصيرة بالنسبة لمشروع تونس، اما بالنسبة لنداء تونس فهي «النرجسية والانتهازية» التي اتسم بها رئيس الحكومة.

كل طرف من هذه العائلة حرص على ان يكون الذي خارج قائمة المسؤولين عن النزعة العقابية للناخب التونسي او الإقرار بانه يتحمل جزءا من المسؤلية، وهذا ما كشفته البيانات الصادرة عن الأحزاب، او منشورات قادتها علي صفحاتهم الرسمية علي شبكة التواصل الاجتماعي الفايسبوك.

لا استثناء هنا الجميع التقي في خانة «ضحية»، الا من التزم الصمت النهائي الى غاية امس، فالبديل ضحية وتحيا تونس ضحية والمشروع كذلك مثله مثل نداء تونس، واليسار بكل مرشحيه واحزابه ضحايا الظروف الموضوعية ونتائج منظومة الحكم وحتى الحر الدستوري حافظ علي هذا التمشي.

هذا القاسم المشترك الاول بين احزاب في ظاهرها متناقضة سواء في خياراتها او في مرجعياتها وفهمهما للمشهد، اما الثاني فهو الاستفادة من هذه العثرة وجعلها منصة لانطلاقة جديدة في التشريعية، وهنا يشرح الهدف سبب اللقاء بين هذه الاحزاب.

فالقاء المسؤولية علي الاخر وجعل الخسارة في الدور الاول من الرئاسية امرا طبيعيا في ظل ظروف يصفونها بالموضوعية والخارجة عن نطاقهم، هو الجزء الرئيسي من استراتيجية الاستفادة في التشريعية.

استفادة تنطلق من اعتبار ان الرئاسية ليست بذات اهمية التشريعية، فالمجلس التشريعي هو الذي سيفرز اغلبية تحكم، والحكومة ورئيسها بيدهما صلاحيات كبرى على عكس رئيس الجمهورية، لذلك فان كل هذه الاحزاب المنتسبة للعائلة الديمقراطية التقدمية او التي تقع على تخوفمها علي غرار الدستوري الحر، ترغب في ان تستثمر خسارتها وما تعتبره «غضب» في صفوف القاعدة الانتخابية للعائلة الديمقراطية لتحقيق نتائج جيدة في التشريعية.

نتائج يعتبر مشروع تونس ان الوصول اليها يقتضي ان يتحرك الطيف الديمقراطي ويحشد أنصاره للعمل في الميدان لملء الفراغ وتدارك نتائج الرئاسية، وحشد الهمة والانطلاق إلي الانتخابات التشريعية بالنسبة لحزب العمال وهي الانظباط الحزبي للدستور الحر الذي حقق انجازا وفق رئيسته عبير موسي. وهي العمل علي فوز القوي المؤمنة بالجمهورية وتعزيز مكاسبها بالنسبة للبديل.

لكن هذه المرويات لا تستقيم دون الاشارة الى خطر نتائج الدور الاول من الرئاسية على تونس وكيف ان التصويت العقابي واختيار مرشحين من خارج المنظومة ليس الحل بل قد يصبح المشكل الاعمق، هذا التحذير الواضح الغرض منه محاولة تغذية الخوف العارم في صفوف القاعدة الانتخابية للعائلة الديمقراطية وبالاساس قاعدة نداء تونس في 2014، التي يغفل البعض ان ثلثيها منحوا أصواتهم لاحد المرشحين العابرين للدور الثاني من الرئاسية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا