في مرحلة حساسة من الإستحقاقات الرئاسية ما ذا وراء زوبعة التزكيات المرمية «بالغش»؟

الحديث عن التدليس والتزوير في قائمات التزكيات للمترشحين للإستحقاقات الرئاسية أثار العديد من التعاليق التي بلغت حد المس

من مصداقية ونزاهة بعض المترشحين و توصيف إنكار الّذين تمّ تضمين أسمائهم وإمضاءاتهم ضمن المزكين من قبيل التدليس وهي جريمة خطيرة بإعتبارها جناية لا يعاقب عليها الفاعل الأصلي فقط بل المستعمل أيضا.
و قد أدّى هذا التوصيف إلى شن حملة على البعض و تداول أسمائهم بتسرّع قبل تكييف طبيعة الأفعال و تحديد الطرف المؤهل قانونيا للنظر في مدى جديتها ، أو إجراء الأبحاث للنظر في مدى توفر أركان الجريمة ،و هو أمر موكول للهيئة العليا المستقلّة للإنتخابات في مرحلة أولى ،و للقضاء المختص إذا إقتضى الأمر ذلك. كل هذا قبل أن يكون الموضوع مادّة لبناء اسنتاجات واتهامات جزافية ، لها وقع كبير لدى الناخبين في فترة حساسة من المسار الانتخابي.

فعمليات التزوير والتدليس وإفتعال الكتابات والوثائق أو تبديل أصل صحيح، وغيرها من الأفعال المندرجة في هذا الباب، تحتاج إلى تمحيص و تثبت و إجراء اختبارات فنية دقيقة، كي تتشكّل الجريمة و يقع تتبع الفاعل او الفاعلين من أجل ذلك لتسليط العقاب المناسب عليهم.
فالاتهام -إذن- ليس أمرا هيّنا ليقع الاكتفاء بتصريح ناخب بأنه لم يزك زيدا أو عمرو، لترتفع الأصوات متهمة المترشح بالتدليس وليحكم عليه مسبّقا أنه ليس أهلا للترشح لرئاسة الجمهورية و إعتباره فاسدا في الأصل بدعوى تعمّده الغش منذ تقديم ملف ترشحه.

إن إثارة موضوع التزكيات يندرج في إطار محدود متصل مباشرة بالانتخابات الّتي ينظمها قانون خاص ، لا نراه يحيل على المجلة الجزائية في باب جمع التزكيات ، و هي عملية لا تتمّ مباشرة من المترشح نفسه ، بل تتمّ عبر مجموعات مؤيدة للمترشح أو داعمة له ،في عدّة جهات تتولّى تجميع الإمضاءات بعد الحصول على بطاقات تعريف المزكين و توقيعاتهم، وهي مجموعات تعدّ بالعشرات في كل جهة، مما يجعل من الصعب التعرّف على الشخص الّذي ضمّن الإسم و ودوّن رقم بطاقة التعريف وأمضي.

كما أنه لا بد من حصول ضرر ثابت و بيان الأثر من وجود إمضاء أو أكثر محل طعن أو تشك، إذ أنه قد يوجد إمضاء أو أكثر على قائمة تضمّ أكثر من 10 آلاف إمضاء ، فهل يُبطل ُ الترشح في هذه الحالة ، أم يبطل الزائد و يبقى السليم؟ المنطق السليم يقتضي عدم احتساب التزكية الملغاة، بحيث لا أثر للإلغاء إلا إذا نزل بعدد التزكيات إلى ما دون 10 آلاف بالنسبة للتزكيات الشعبية أو إلى ما دون 10 بالنسبة للتزكيات البرلمانية أو إلى ما دون أربعين من رؤساء مجالس الجماعات المحلية المنتخبة .

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه لا أحد يجزم بأن طرفا ما، تعمّد الإفتعال أو التدليس في قائمة أحد المترشحين بنية إسقاط المترشح أو بغاية تشويهه ، لذلك لا يجب أخذ الأمر ببساطة وتسرّع.

فالأصل في الأشياء الصحة والسلامة، وعلى من يدعي خلاف ذلك أن يثبت بصفة قاطعة حصول الفعل وتوفر النية الإجرامية.

و مرّة أخرى نقف أمام فراغات قانونية وصياغات فضفاضة ،و قد كان على المشرّع تنقيح القانون الإنتخابي لتفادي هذه الوضعيات كما كان على الهيئة العليا المستقلّة للإنتخابات التنبّه لهذا الأمر ، خاصّة و أن الموضوع قد سبق طرحه في إنتخابات 2014 .
فالهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أوكل لها الفصل 41 من القانون المنظم للإستفتاء والانتخابات ، مهمّة ضبط إجراءات التزكية والتثبّت من قائمة المزكّين.كما منحها صلاحية اعلام المترشّحين الذين تبيّن تزكيتهم من نفس الناخب أو من شخص لا تتوفر فيه صفة الناخب بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا وذلك لتعويضه في أجل 48 ساعة من تاريخ الإعلام، حتى لا ترفض مطالب ترشّحهم.

و لكننا نرى الهيئة تجاري أحيانا المنابر والاحتجاجات، دون أن تتدخل بالوضوح اللاّزم لشرح بعض الوضعيات وللردّ على ما ينشر وما يقال لوضع حد للجدل و دون التذكير بأن حق الطعن في قراراتها متاح في مختلف مراحل المسار الانتخابي طبق الضوابط التي ينص عليها القانون ،و بالتاّلي تكون حقوق الجميع مضمونة ، و لذلك يتعيّن تجنّب التسرع في «محاكمة» المترشحين أو التشهير بهم ، أو شن حملات ضدّهم سواء من المنافسين أو من المنابر الإعلامية .

هذا الموقف لا يعني أنّنا نشجّع على تزوير التزكيات أو افتعالها ، و لكن نرى أنه من مقتضيات الموضوعية والحياد ،عدم الانسياق وراء الاتهامات الجزافية الّتي تكون غير مبنية على منطق سليم وعلى معطيات ثابتة ، كما نعتقد أنه لا بد من الحذر من تبعات تنفير الناخبين من المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية .
و نذكر في هذا الصدد أن معنى الحياد حسب القانون الإنتخابي « هو التعامل بموضوعية ونزاهة مع كافة المترشحين وعدم الانحياز إلى أي قائمة مترشحة أو مترشح أو حزب أو تعطيل الحملة الانتخابية لقائمة مترشحة أو لمترشح أو لحزب في حملة الاستفتاء، وتجنب ما من شأنه أن يؤثر على إرادة الناخبين».

لذلك على الهيئة أن تتمسّك بدورها و تفعّل ما جاء به القانون سواء في هذه الفترة أو في مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية ، أو في الحملة الانتخابية أو في فترة الصمت الانتخابي ، كما عليها أن تفعّل الوسائل الاتصالية اللاّزمة لتوعية كل الأطراف بمقتضيات القانون وللتذكير به وإتخاذ القرارات المناسبة بالآليات اللاّزمة وبالنجاعة المطلوبة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية