خاص: نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية ماي 2019: الزلزال

قراءة وتحليل زياد كريشان

تمثل نوايا التصويت في التشريعية والرئاسية التي أنجزتها مؤسسة سيغما كونساي بالتعاون مع جريدة المغرب

ما بين 2 و3 ماي الجاري زلزالا سياسيا بكل ما في الكلمة من قوة ..

ولو تأكدت نوايا التصويت هذه فسنكون أمام مشهد سياسي جديد كل الجدة في التشريعية ولكن خاصة في الرئاسية إذ قد يحسم كرسي الرئاسية في الدور الثاني ما بين قيس سعيد ونبيل القروي في حين لا يتمكن أي حزب من تجاوز عتبة %20 ونجد كذلك خمسة أحزاب ما بين %10 و%20 بما يفيد شبه استحالة حكم البلاد غدا ..
خمسة أشهر تفصلنا فقط عن بداية موسم الاقتراع بالتشريعية (6 أكتوبر 2019) مرورا بالدور الأول للرئاسية (17 نوفمبر 2019) في انتظار احتمال إجراء دور ثان قد يكون ما بين موفى 2019 وبداية جانفي 2020.. وما يبدو من خلال عملية نوايا التصويت لشهر ماي أن المشهد متحول بصفة سريعة وفجئية وأننا لم نعد نملك الثوابت الدنيا فيه وأن باب الممكن أضحى مفتوحا في بلادنا على مصراعيه ..

نوايا التصويت في التشريعية : تراجع هام لأحزاب الحكم
يبدو أن السلوك الانتخابي الافتراضي بصدد التحول عند التونسيين مع اقترابنا من يوم الاقتراع الأول وأن النية تتجه إلى معاقبة ولو نسبية لأحزاب الحكم الحالية بالمعنى الواسع للكلمة
في 2014 حصل حزبا النداء والنهضة معا على حوالي ثلثي الأصوات وظلت هذه النسبة مستقرة إلى حد ما في كل عمليات سبر آراء نوايا التصويت ولكن هذه المرة لو جمعنا نوايا التصويت للنهضة مع أحزاب النداء التاريخي لتحيا تونس +نداء تونس + مشروع تونس فلن تحصل حتى على نصف الأصوات (%47.3)
ولو قارنا بنوايا التصويت لشهر افريل الماضي لو جدنا بأن مجموع نوايا التصويت لكل هذه الأحزاب قد بلغ %60 أي أن التراجع خلال شهر واحد كان بحوالي 13 نقطة كاملة أي بما يناهز ربع نوايا التصويت وهذا كثير بالنسبة لشهر واحد ويؤثر بوضوح على هذا التحول في النوايا الانتخابية للتونسيين. ولعلها المرة الأولى التي يشمل فيها هذا التراجع حليفي الحكم في نفس الوقت إذ ظلت حركة النهضة مستقرة لوقت طويل في حدود منسوبها الانتخابي في سنة 2014 أي ما بين %25 و%30 ولكن هذه المرة تنزل حركة النهضة وللمرة الأولى تحت سقف %20 إذ لم تحصل إلا على %18 من نوايا التصويت فقط أي بخسارة أكثر من ست نقاط في شهر واحد (%24.3 في افريل الفارط).
وبهذا التراجع الكبير أصبحت حركة النهضة على مرمى نقطة ونصف من حليفها الحالي تحيا تونس بـ%16.5 والذي شهدت نوايا التصويت بالنسبة له استقرارا خلال هذا الشهر ،ولكن الجديد أن حركة النهضة لم تعد تبعد بالكاد سوى ثلاث نقاط عن الحزب الدستوري الحر الذي يواصل صعوده الصاروخي ليصبح الحزب الثالث في البلاد بأفضل نوايا تصويت له منذ تأسيسه(%14.7)..

صعود حزب عبير موسي رافقه تواصل انهيار نداء تونس الذي يحل رابعا بـ%11.1 من نوايا التصويت فاقدا بذلك أكثر من خمس نقاط في شهر واحد انهيار مرجح للتواصل في ظل التفكك المستمر للبيت الندائي ..
في هذا الشهر يعود التيار الديمقراطي للصعود بعد تراجعه النسبي ويتجاوز العتبة الرمزية لـ%10 من نوايا التصويت (%10.1 تحديدا ) ويحقق بذلك اكبر فارق يفصله عن منافسه الصديق الجبهة الشعبية التي تواصل تراجعها وتحصد فقط %5.5 وهذا من أسوأ نوايا التصويت لها منذ حوالي السنة ، كما نلاحظ صمود حزب آفاق تونس الذي بقي في الصورة بـ%4.5 من نوايا التصويت ..
ولو تصورنا المشهد البرلماني القادم وفق هذه الأرقام فقد لا تتجاوز الكتلة الأولى خمسين نائبا ونكون أمام فسيفساء لا تشبه 2011 ولا 2014.

«حزبا» نبيل القروي وقيس سعيد
قلنا في مناسبات سابقة بأن منهجية سبر آراء نوايا التصويت التي نعمد إليها منذ شهرين تتمثل في تقديم لائحة من المقترحات بطريقة يتغير فيها الترتيب كل مرة حتى لا يستفيد احد من موقعه المتقدم ، وهذه هي المرة الأولى التي تتضح فيها رغبة جزء من التونسيين للتصويت لحزبين لم يوجدا بعد وهما « حزب» نبيل القروي و«حزب» قيس سعيد، أي أن هاتين الشخصيتين لم تعودا تمثلان اختيارا لفرد في الرئاسية بل وكذلك لـ«مشروع» في التشريعية. واللافت أن «حزب « نبيل القروي قد جاء في المرتبة الثامنة بـ%3.9 متقدما على أحزاب عريقة كثيرة كحركة الشعب ومشروع تونس والبديل والحراك والتكتل .. كما نجد في المرتبة العاشرة «حزب» قيس سعيد بـ%2.4 من نوايا التصويت ..
المهم هنا ليست هي النسب الحالية لنوايا التصويت لهذين «الحزبين» بل هذا الطلب الذي يعبر عنه جزء من التونسيين والذي لا يرى نفسه لا في العروض الحزبية ولا حتى في القائمات المستقلة بل في حزبين افتراضيين يقومان فقط على شخصيتين أصبحتا تتنافسان على المرتبة الأولى في الرئاسية وهذا في حد ذاته زلزال سياسي بقوة 9 على سلم ريشتر.


في سوسيولوجيا نوايا التصويت
لا يسمح لنا العدد المحدود نسبيا للعينة باستخلاص نتائج دقيقة على مستوى النوع الاجتماعي والجهة والطبقة الاجتماعية والسن والمستوى المعرفي ولكن يمكن أن نستخلص بعض التوجهات العامة التي تبرز في نوايا التصويت لهذه الدفعة :

• تتقدم حركة النهضة في جهتين فقط وهما صفاقس والجنوب الشرقي (قابس ومدنين وتطاوين) في حين تحصل حركة تحيا تونس على المرتبة الأولى في ثلاث جهات : الشمال الشرقي (بنزرت وزغوان ونابل) والوسط الغربي ( القيروان وسيدي بوزيد والقصرين) والجنوب الغربي (قفصة وتوزر وقبلي) أما نداء تونس فلا يحافظ على الصدارة إلا في الشمال الغربي (باجة وجندوبة وسليانة والكاف) .. والمفاجأة هي في التصدر الواضح للحزب الدستوري الحر في تونس الكبرى ( تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة ) حيث يحصد فيها حوالي ربع الأصوات متقدما بأكثر من سبع نقاط على بقية منافسيه كما يفوز مبدئيا حزب عبير موسي بولايات الوسط الشرقي (سوسة والمنستير والمهدية).

• التصويت النهضوي رجالي بوضوح مثله مثل الحزب الدستوري الحر على عكس التصويت لتحيا تونس ولنداء تونس الذي ظل ، رغم كل شيء نسائيا في أكثر من ثلثيه.

• تحقق حركة النهضة اختراقا واضحا للطبقة المرفهة وكذا الشأن للدستوري الحر فيما تمثل الطبقة الشعبية قوة تحيا تونس في حين يحقق النداء أفضل نتائجه في الطبقة الوسطى السفلى.

• باستثناء الدستوري الحر تحقق بقية أحزاب الطليعة نتائج متقاربة عند الشباب (من 18 إلى 35 سنة ) مع نتائج ممتازة للتيار الديمقراطي وطيبة لآفاق تونس في حين يبزّ الدستوري الحر الجميع عند الذين تجاوزوا الستين اما الكهول فتصويت متعادل بالنسبة للأحزاب الثلاثة الأولى في حين يسجل النداء أسوأ نتائجه في هذه الشريحة.

• الدستوري الحر الوريث الأساسي للنداء التاريخي !!
قلنا في مرات سابقة أن هنالك ثلاثة أحزاب تتنازع على القاعدة الانتخابية للنداء التاريخي وهي نداء تونس وتحيا تونس والدستوري الحر ورغم أن الدستوري الحر هو الأبعد وبصفة جذرية عن الخطاب السياسي اليوم للنداء ولتحيا تونس ولكنه هو الذي يحصل على نصيب الأسد من الخزان الندائي إذ يعبر حوالي ثلث من صوت للنداء في تشريعية 2014 ( %31.5) عن نيتهم التصويت للدستوري الحر في حين تنزل هذه النسبة إلى %24.1 لتحيا تونس و%17.2 لنداء تونس .
وعندما نقارن سلوكيات ناخبي الباجي قائد السبسي في الدور الثاني لرئاسية 2014 نجد أن التقدم مرة أخرى هو للدستوري الحر ثم لتحيا تونس وأخيرا للنداء ..
أي أن الدستوري الحر هو الأكثر تمثيلا للقاعدة التاريخية للنداء وهي تكاد تكون خزانه الوحيد بينما يجلب تحيا تونس ناخبين من غير القاعدة الانتخابية للنداء التاريخي

زلزال الرئاسية : قيس سعيد ونبيل القروي في الدور الثاني
تمثل نوايا التصويت للانتخابات الرئاسية زلزالا سياسيا من الحجم الكبير والكبير جدا إذ يتقدم ثنائي على الجميع وهما قيس سعيد بـ%22.4 ونبيل القروي بـ%21.8 فيما تصعد عبير موسي إلى المرتبة الثالثة بـ%12.4 وينهار كلية رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي لا يحصد سوى %7.4 فاقدا بذلك 12 نقطة خلال شهرين ويجد نفسه بذلك بعيدا عن المنافسة للترشح للدور الثاني .

لابد من التذكير بأن هذه الدراسة الميدانية التي تمت ما بين 2 و3 ماي الجاري قد جاءت بعد كارثة سيدي بوزيد وخاصة بعد اقتحام قوات الأمن لمقرات نسمة تنفيذا لقرار الهايكا بحجز معدات البث ..
لقد أثرت كل هذه العناصر ولاشك على أذهان المواطنين ولكن لا تكفي هذه الأسباب القريبة لتفسير هذا التأديب الانتخابي الافتراضي لمنظومة الحكم الحالية ..

الواضح اننا ازاء تصاعد لحنق شعبي لم يجد بعد الأطر المثلى للتعبير عن نفسه. ويبدو أن هذا الغضب الكبير على أداء منظومة قد وجد عند الناخبين الشخصيات التي تعبر عنه : اثنتان منها خارج منظومة الأحزاب: الجامعي قيس سعيد وصاحب قناة نسمة نبيل القروي والثالثة رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي ..
لو جمعنا كل ما تحصلت عليه الشخصيات التي تمثل منظومة الحكم اليوم : يوسف الشاهد وكمال مرجان وعبد الفتاح مورو والباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي لوجدنا أن المجموع لا يصل حتى لـ%20 (%17.1 تحديدا) أي أن كل هذه الشخصيات مجتمعة لا تستطيع مجاراة احد المتصدرين .
فالغضب على منظومة الحكم قد شمل الجميع من رئيس حكومة وخاصة رئيس الجمهورية وقيادات النهضة وهذا يعني أننا أمام لفظ كبير لمخرجات منظومة الحكم التي يحملها أغلبية التونسيين تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ولكن المعارضة لم تتمكن من الاستفادة من موجة الرفض هذه بل نجد أنفسنا في وضعية شبه سريالية وهي استعادة مشهد 2014 ولكن

بوضع قيس سعيد مكان منصف المرزوقي ونبيل القروي مكان الباجي قائد السبسي ، كل هذا دون أن يكون لهذين البديلين آلة حزبية أو انتخابية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة ..
يمثل قيس سعيد بالنسبة لناخبيه ما بقي من الثورة أما نبيل القروي فهو نوع من الخليط بين الهاشمي الحامدي وسليم الرياحي بدرجة أولى والباجي قائد السبسي بدرجة اقل ، أي ذلك «العطف على الزوالي» كبرنامج انتخابي شبه وحيد للوصول إلى الحكم مع اللعب على المظلومية والاضطهاد من قبل «المنظومة» المتعالية على الشعب ! إنها الشعبوية بثياب تونسية ولكن المهم هنا هو توافق هذا العرض السياسي الجديد الذي لم يفصح بعد عن نفسه بالوضوح الكافي مع طلب شعبي عميق ..

انهيار نهائي ؟
ظل يوسف الشاهد منذ حوالي السنتين متربعا على عرش نوايا التصويت في الانتخابات الرئاسية حتى اعتقد انصاره بأن جلوسه على كرسي قرطاج مسألة محسومة وتنتظر الصندوق للتأكيد لا غير ولكن يجد صاحب القصبة نفسه اليوم امام وضعية جديدة مفادها احتمال هام للخسارة منذ الدور الأول ، وهذه فرضية يبدو أن «الأدمغة المفكرة» في القصبة لم تكن تتصور مجرد إمكان حدوثها ..

هزيمة من الدور الأول لن تعني فقط النهاية السياسية ليوسف الشاهد بل ولمشروعه الحزبي أيضا اذ لا نرى كيف بإمكان «تحيا تونس» أن تحيا مع هزيمة زعيمها وبهذه الصفة المذلة .. فهل يصبح يوسف الشاهد عالة على حزبه بعد أن كان أهم رافعة له ؟
لاشك ان يوسف الشاهد لم يخسر بعد هذه المعركة وان لديه جملة من الإمكانيات تسمح له بالعودة في السباق ولكن التدحرج كان كبيرا وهو يؤشر على أزمة ثقة حادة بين الحكام وعموم المواطنين وفكرة ان وضع البلاد هو أفضل اليوم من يوم استلام الشاهد السلطة لا تقنع عددا كبيرا بل الانطباع العام هو أن الأوضاع زادت سوءا وان يوسف الشاهد هو المسؤول الأول عن هذه الوضعية ..

هذه هي الصورة الوقتية لطبيعة التوازنات السياسية اليوم ، صورة مدعوة لتغيرات كبيرة خلال الأسابيع القادمة إذ من الواضح اليوم أن لا شيء واضح في المشهد وان كل المفاجآت ممكنة ولكن شبه الثابت الوحيد هو أن منظومة الحكم الحالية ستجد صعوبات جمة للخروج بأخف الأضرار في الخريف القادم ..

الجذاذة التقنية للدراسة
العينة : عينة ممثلة للمسجلين في الانتخابات ، مكونة من 787 تونسي تتراوح أعمارهم بين 18 سنة وأكثر

تم تصميم العينة وفق طريقة الحصص (Quotas) حسب الدائرة الانتخابية ، الجنس والسن بالاعتماد على آخر أرقام الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات .

طريقة جمع البيانات : بالهاتف
CATI (Computer Assisted Telephone Interviewing, Call-Centre)
نسبة الخطأ القصوى : %3.5
تاريخ الدراسة : 2 و3 ماي 2019

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا