في جلسة حوار مع الحكومة حول ما يعرف بـ «مدرسة الرقاب»: النواب ينتقدون والحكومة تؤكد سيطرتها على الكتاتيب القرآنية

لا تزال قضية ما يعرف بـ «مدرسة الرقاب» تثير جدلا في مجلس نواب الشعب من خلال تحميل الكتل المعارضة المسؤولية

إلى الحكومة وحركة النهضة. جلسة الحوار مع الحكومة يوم أمس حول هذه القضية تحولت إلى منبر لتبادل التهم وبعض المحاولات لتسييس القضية في وقت لم تختلف فيه المداخلات والتصريحات عن ما سبقها من جلسات الاستماع.
عقد مجلس نواب الشعب يوم أمس جلسة عامة للحوار مع أعضاء الحكومة حول ما يعرف بـ «مدرسة الرقاب»، بحضور كل من وزيرة المرأة والأسرة والطفولة، وزير الشؤون الدينية ووزير الداخلية ووزير التربية والوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.
الجلسة العامة انطلقت بمداخلة وزيرة المرأة والأسرة والطفولة نزيهة العبيدي التي أكدت أنه لا وجود في القانون التونسي لمصطلح ‘’المدرسة القرانية’’، مشيرة إلى أن هذه الفضاءات تعتبر عشوائية، باعتبار أن تعليم القرآن مشروع ومنظم في الكتاتيب ومضمّن في المناهج والبرامج الدراسية. وبينت العبيدي أن تعليم القرآن يتم التنسيق فيه مع الكتاتيب وهي مادّة تربوية موجودة في المناهج التعليمية بالمدارس العمومية، إلى جانب أن التدخل في الفضاء العشوائي كمدرسة الرقاب منظّم وموضوع تنسيق بين وزارة المرأة والأسرة عبر مندوب الطفولة ووزارة الداخلية والهيئة العليا لمكافحة الاتجار بالبشر، باعتبار انها لا تستجيب الى كراس الشروط ويتم فيها استغلال الأطفال بمختلف الأشكال.

ضرورة تنظيم قطاع المحاضن والكتاتيب
وخلال النقاش العام، أجمع نواب الشعب على ضرورة تنظيم قطاع المحاضن والكتاتيب والقضاء على كافة الفضاءات العشوائية، حيث قالت النائبة عن كتلة حركة النهضة يامينة الزغلامي أن العديد من التونسيين باتوا يخشون من تدريس القرآن وذلك يعود الى ما مارسه نظام بن علي من غلق للمدارس التي تشرف عليها الدولة، مشيرة إلى أنه من غير المقبول أن يتم دمغجة الاطفال في مثل هذه الفضاءات العشوائية حتى أنهم أصبحوا يشرّعون للزواج على غير الصيغ القانونية. وطالبت الزغلامي بضرورة القضاء نهائيا على الفضاءات العشوائية دون السقوط في قمع الفضاءات القانونية.

من جهة أخرى، تطرق البعض الآخر إلى الخلافات السياسية وتبادل التهم بين مختلف الأحزاب وتحميل الحكومة المسؤولية، خاصة كتلة الائتلاف الوطني التي طالبت بضرورة عدم تسييس المسألة، حيث قالت النائبة عن كتلة الائتلاف الوطني نزهة البياوي أنه يجب احترام سلطة القضاء واستقلاليتها والابتعاد عن منطق الضجّة الإعلامية، معتبرة أن ولاية سيدي بوزيد تشكو من العديد من النقائص خاصة ما يتعلق بتعيين المسؤولين. وتساءلت النائبة عن مآل متابعة الملفات الخطيرة على شاكلة فضاء «مدرسة الرقاب» التي صدر فيها قرار منذ سنة 2015، مطالبة وزارة الداخلية بان تعمل بكل حياديّة من أجل تجاوز هذه الدوّامة التي تعيشها البلاد. وأوضحت وجود مخاوف لدى التونسيين الذين يريدون تعليم القرآن لأطفالهم في حالة وجود حملة عشوائية ضد كل الأطر التي يتم فيها تحفيظ القرآن حتى القانونية منها.

اتهامات وتحميل للمسؤوليات
في المقابل، صعّد نواب كتلة حركة نداء تونس من نسق الاتهامات إلى الحكومة وأيضا إلى حركة النهضة بالتحديد التي اعتبروها مسؤولة عما حدث في الرقاب، حيث قالت النائبة عن كتلة حركة نداء تونس فاطمة المسدي أن ما تشهده تونس يتمثل أساسا في مشاركة الإرهابيين في رسم السياسات العامة للبلاد، خاصة وأن رئيس الحكومة لم يتطرق في حواره أول أمس الى موضوع الرقاب وكأنه ليس على علم بخطورته. وربطت النائبة في مداخلتها ما حصل في المدرسة بمسألة التسفير، مطالبة وزير التربية باصدر أمر لإلغاء كل المدارس القرآنية التي لا تقع تحت طائلة القانون ولا تخضع لسلطة الدولة، ومطالبة الحكومة أيضا بهدّم كل المدارس التي لا تملك رخصة. في حين طالب النائب عن كتلة الحرة لمشروع تونس صلاح البرقاوي بضرورة حضور محافظ البنك المركزي في هذه الجلسة خاصة في ظل الحديث عن أرصدة بنكية ضخمة بحوزة المتورطين في قضية مدرسة الرقاب. وانتقد البرقاوي الحملة التي اعتبرها تشن ضد القضاة الأمر الذي يؤكد على حد تعبيره أن المدرسة معسكر للتأهيل للإرهاب بالأساس، متسائلا عن أسباب عدم تحرك وزارة المرأة منذ اكتشافها بأن الفضاء خارج عن القانون.

الاتهامات الموجهة ضد حركة النهضة، جعلت نوابها يردون في أكثر من مناسبة من أجل تفنيد ما حصل، إذ قالت النائبة فريدة العبيدي أن أن كل المعطيات التي تروّج حول تسفير الشباب جلّها معطيات كاذبة وكيديّة، موضحة أن الإسلام ليس في حاجة إلى حزب لكي يدافع عنه وأنه على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها فيما يخص المدارس العشوائية.
نواب المعارضة في البرلمان انتقدوا طريقة تعامل الحكومة مع ما حصل في الرقاب، حيث قالت النائبة عن كتلة الجبهة الشعبية مباركة عواينية أنه لا داعي للحكومة بأن تدّعي الصدمة، باعتبارها كانت على علم بما حصل سلفا، وأرجعت عدم التحرك في الى التشبّث بالسلطة، مشددة على ضرورة فتح ملفات الحوادث الإرهابية وأهمها كشف حقيقة الإغتيالات السياسية باعتبار أن الجميع يريد ان يعرف من قتل الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي ومن سفّر الشباب إلى بؤر التوتّر في إشارة إلى حركة النهضة.

تدخلات نواب الشعب تشابهت تقريبا مع ما تم التصريح به في جلسات الاستماع صلب اللجان بخصوص نفس المسألة والجلسة العامة المخصصة للنقاش دون حضور أعضاء الحكومة. ومن جهته، قال النائب عن الكتلة الديمقراطية غازي الشوّاشي أن الجميع يلقي بالمسؤولية حول المدارس العشوائية لكل طرف، معتبرا أن الدولة تعتبر الجهة الوحيدة التي تشرف على تعليم الدين، حيث يجب التفكير في مراجعة المناهج التعليمية في إطار الإسلام المعتدل ذي المرجعية الزيتونية، مع العمل على منع الجمعيات من ان تتحوّل إلى مدارس خاصة مهما كانت إختصاصاتها. في حين استغرب النائب عن كتلة الولاء للوطن عدنان الحاجي من تدخّل وزارة المرأة بعد 8 سنوات من إنشاء المدرسة، معتبرا أنه لا يوجد قضاء عادل والأحكام الصادرة في حق المجرمين المتورطين في عملية باردو تعتبر أكبر دليل، متهما أيضا وزارة الداخلية بعدم الحياد والدليل إرسال أعوان من الحرس الوطني لتقفّي الفريق.

الدولة مسيطرة على زمام الأمور
المداخلات عموما بين نواب الشعب شخصت المسألة دون تقديم أية حلول أو مقترحات، حيث بين النائب عن الاتحاد الوطني الحر طارق الفتيتي أن حكومات ما بعد الثورة كلها تعاني من خلل في التواصل، معتبرا والي سيدي بوزيد كان بمثابة كبش فداء. وفي رده على تساؤلات النواب، قال وزير الداخلية هشام الفوراتي أنه منذ سنة 2011، تنامت ظاهرة تكوين جمعيات ذات طابع ديني والناشطة في مجال الأعمال الخيرية، حيث توجد 259 جمعية قرآنية منها 15 تعمدت إستغلال فضاءات عشوائية تنشط بمقتضى أنظمة أساسية في تحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية. وبين أن الجمعيات القرآنية يديرها أساسا أشخاص منتمون لجماعة الدعوة والتبليغ، حيث أن وزارة الداخلية تتدخل في مسألة الفضاءات الفوضوية ولكن لا تتدخل في مناهج التعليم الذي يعود لوزارة الشؤون الدينية ووزارة التربية ووزارة المرأة والأسرة والطفولة، مشيرا إلى أن الفضاءات التي تحتضن أطفالا تكون ملزمة بالحصول على تراخيص في إحتضان الأطفال ولا يمكنها أن تتذرّع برخص تكوين الجمعية. كما بين الفوراتي أن ظروف الإقامة بجل الفضاءات لا تستجيب لشروط الصحة والسلامة علاوة على عدم الفصل بين القصّر والراشدين، حيث تم تكوين جمعية «إبن عمر» بالرقاب بتاريخ 02 فيفري 2012 وإستنادا لنظامها الأساسي فإن هذه الجمعية تهدف إلى إقامة دورات تكوينية في حفظ القرآن، حيث تم في 27 أفريل 2015 إتخاذ قرار بغلق الفضاء المخصص للمدرسة من قبل والي سيدي بوزيد.

من جهته، اعتبر وزير الشؤون الدينية أحمد عظّوم أن ما تتم ممارسته في المدرسة القرآنية بالرقاب لا يمت بصلة للإسلام ولمقاصد الشريعة، حيث أن الوزارة قامت بالعمل على الدليل المرجعيّ للتربية بالكتاتيب والذي يتضمن منهجا عصريّا بيداغوجيّا معتبرا أن الكتاتيب تمثل خط الدفاع الأول ضد الإرهاب. وبين الوزير أن الدولة هي التي تعيّن الإمام الخطيب وامام الخمس وحافظ البيت في المسجد مما يؤكد أن المؤسسات الدينية تحت السيطرة، مشيرا إلى إمكانية فتح حوار شامل حول المسألة في إطار الاكاديمية البرلمانية.

حول وضعية الأطفال
أغلب الوزراء المتدخلين أكدوا سيطرة الدولة على زمام الأمور، حيث قالت وزيرة المرأة نزيهة العبيدي أن الطفولة تحظى بثلث ميزانية الوزارة، على أن يتم إحياء المجلس الأعلى للطفولة للقيام بإستراتيجيات موحّدة. في حين قال وزير التربية حاتم بن سالم أن الوزارة لا تخضع لأي إملاءات، حيث ستكون منظومة التربية محايدة ولا مجال إلى أية مؤسسة أن تتدخل في توجهات الحكومة في هذا المجال، مشيرا إلى وجود 100 ألف تلميذ يتسرّبون من الوسط المدرسي و60 بالمائة منهم يتوجهون إلى منظومة التكوين المهني وإلى المدارس الخاصة. من جهته، قال الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقة مع المجتمع المدني محمد الفاضل محفوظ أن أجهزة الدولة تصدّت لحادثة الرقاب ولكن هذا لا يخفي وجود خطاب متطرّف في العديد من المناطق، معتبرا أن التمويل العمومي للجمعيات سيطهر الفضاء المدني من اللجوء إلى التمويلات الأجنبية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا