من جريمة النفايات في صفاقس إلى مأساة جرجيس مرورا بأزمات المنظومات الغذائية وتدهور حقوق الإنسان: سلطة عاجزة !

عندما ننظر إلى الكيفية التي تتعامل بها السلطة القائمة مع كل الملفات السياسية والاقتصادية والإنسانية والبيئية يصيبنا الذهول فعلا، إذ تتراكم الأخطاء بمثل هذا الحجم وبمثل

سوء الإدارة التي نشاهدها بالعين المجردة، ولم تتمكن هذه السلطة من معالجة أي ملف منها مهما كان بسيطا وما قد يبدو للبعض أنه إنجازات (كالتسوية المبدئية لملف المعلمين النواب) كانت كلفته باهضة وبعد أزمة خانقة.
كل التونسيين اليوم شاهدون على جريمة ضحيتها عشر مواطنينا وهي أزمة النفايات التي تهدد سكان ولاية صفاقس منذ 14 شهرا حيث اكتفت السلطة المركزية ،إلى حد الآن، بالنظر عن بعد إلى هذه الكارثة البيئية غير المسبوقة في تاريخ البلاد وعلى التعويل على إيجاد حل جهوي، أي دفع أهالي الولاية إلى التعادي والتناحر حتى لا تكون هذه النفايات من نصيب احد..

ونلاحظ نفس العجز في إدارة أزمة إنسانية مؤلمة في جرجيس ، فلا تعزية رسمية ولا وفد وزاري ولا وقوف رمزي ومعنوي مع مواطنينا في جرجيس ..
أزمة المنظومات الغذائية استدعت نفسها بكل قوة منذ أكثر من نصف سنة في الألبان والبيض واللحوم البيضاء والحمراء وفي تخزين البطاطا وغيرها دون أن تقدم السلطة القائمة حتى مجرد حلول مؤقتة ونحن نشاهد انهيارا تدريجيا لمنظومات قضينا نصف قرن من أجل تثبيتها ودعمها .
يبدو أن الحكومة منشغلة فقط بإتمام الاتفاق الممد مع صندوق النقد الدولي ونراها إلى حد الآن متكتمة على كل الالتزامات التي أخذتها على نفسها ولا نعلم بالضبط كيف ستكون هذه «الإصلاحات الصعبة» وماهي كلفتها الاجتماعية بالفعل كما لا ندري هل أن للسلطة موقف واحد من رفع الدعم وخوصصة المؤسسات العمومية أم أن لكل جناح فيها موقف ورأي ..

ولكن هذا العجز شبه التام عن إدارة الشأن العام وإيجاد حلول فعلية ودائمة لمختلف أزمات البلاد يصاحب منذ البداية بخطاب التخوين والتقسيم واليوم بمضاعفة الملاحقات القضائية ضد إعلاميين ونشطاء سياسيين (نزار بهلول مؤسس ومدير موقع بزنس نيوز ولطفي المرايحي أمين عام حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري والفاضل عبد الكافي رئيس حزب آفاق تونس ) ورغم تعدد «التهم» فالمقصود واحد في كل الحالات: تسليط ضغوط إضافية قوية على وسائل الإعلام وعلى الناشطين السياسيين واعتبار أن نقدهم لسياسات السلطة اليوم تطاول على الدولة وعلى رموزها ..

لقد أظهر الحكم الفردي وسياسة المرور بقوة حدودهما القصوى اليوم فلا هما حاربا الفساد بجدية ولا عالجا مشاكل الناس الحياتية ولا وضعا البلاد على طريق العمل والإصلاح .

لا نريد أن نيأس من بلادنا ولا من قدراتنا الفردية والجماعية على إيجاد الحلول الناجعة والعقلانية لبداية معالجة كل أزماتنا،لكن هذا لا يمكن أن يحصل بالحوكمة الحالية للبلاد وبحكومة عاجزة عن إيجاد الحلول وخاصة على تنفيذها وبسلطة لا تتعلق همتها إلا بالعلو الشاهق وبالشركات الأهلية ..
لا وجود لعاقل واحد يقول أن كل أزماتنا بدأت مع 25 جويلية 2021 وأنها تفاقمت مع حكومة نجلاء بودن ولكن الواضح أن أزماتنا المتراكمة لم تجد بداية حل لها بل أمعنا في السير في طريق انفرادية باتت تهدد بعض المكتسبات التي حصلنا عليها بفضل الثورة .
التدارك مازال ممكنا شريطة تحكيم العقل والإقلاع عن التخوين وتشريك كل التونسيات والتونسيين والتركيز على مشاكل البلاد الفعلية .. ولكن لابد من الإقرار بأن نافذة التدارك هذه تتراجع يوما بعد آخر .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا