كشفها تزامن صدور مؤشرات الثلاثي الثالث وقانون المالية التعديلي: الدولة توقف محركات تنميتها

يخبرنا العارفون بفنون الاحصاء و اهل الاقتصاد ان الارقام لا تكذب. وهم مصيبون في ذلك فالأرقام والنسب والمؤشرات هي معطيات دقيقة لا يمكنها ان تكذب

ولكن يمكنها ان تخفي الحقيقة او ان تعيد صياغتها وخير نموذج على ذلك هو ما حملته الارقام والنسب الصادرة يوم امس عن المعهد الوطني للإحصاء والتي تعلقت بحصيلة الثلاثي الثالث ونسبة النمو والبطالة المسجلة فيه وهي هنا ارقام دقيقة ليست محل تشكيك، لكنها لا تقدم صورة واضحة عن المشهد افعلي في البلاد وعن حالها ان تعلق الامر بالوضع الاقتصادي والمالي للبلاد التونسية.
فلتكون الصورة واضحة يجب النظر الى حزمة من المعطيات الاخرى وقراءتها لا كأرقام بل كمؤشرات عن كيفية اشتغال المحركات الاقتصادية. ولحسن الحظ فقد تزامن نشر هذه المعطيات مع تصريح لوزير الاقتصاد والتخطيط في حكومة نجلاء بودن كشف فيه عن بعض بنود قانون المالية التعديلي الذي تمت المصادقة عليه امس في اجتماع وزاري انعقد بقصر الحكومة.
ما كشفه الوزير لم يكن تحديث أسعار برميل النفط لتكون 105 دولار للبرميل بدل 75 دولارا وفق الفرضية السابقة، ولا اشارته الى ان هذا التمشي اعتمد في باقي الابواب المتعلقة بضبط مصاريف الدولة. ذلك هو المفتاح لفهم مؤشرات معهد الاحصاء بل قوله أن مشروع قانون المالية التعديلي اعتمد على ترشيد النفقات من بينها المصاريف الجارية ومصاريف التنمية.
وذهب ابعد من ذلك بان قال «للأسف اضطررنا للتضحية ببعض مصاريف التي كانت توظف في التنمية»، ما قاله وزير الاقتصاد بخصوص ترشيد الانفاق، هو مفتاح تفكيك الارقام وفهمها في سياقها.اذ يعلن وزير الاقتصاد ان الدولة التونسية قلصت من نفقات الاستثمار العمومي للضغط على نفقاتها الاجمالية وما يقابل هذا التصريح على الارض هو ان محركات الاستثمار الثلاثة تعطلت خلال السنة الجارية وهذا ينعكس بشكل مباشر على عملية خلق الثروة والنمو رغم ان نسبة النمو المسجلة خلال الثلاثي الثالث هي 2.9 % وهو ما يعنى اننا امام نمو عماده الاساسي قطاع الخدمات الذي لا تنعكس نسبه الايجابية والجيدة على عملية خلق الثروة .
وما يؤكد ذلك هو مؤشر البطالة 15.3 % الخاص بالثلاثي الثالث لسنة 2022 فان كان في ظاهره يشير الى استقرار نسبة البطالة الا انه لا يخفي الازمة الفعلية التي تتجلى في فقدان 60 الف موطن شغل وهو رقم من غادروا سوق الشغل خلال الثلاثي الاخير.
هذه المؤشرات التي قد يسوقها البعض على انها علامات بداية تعافي الاقتصاد التونسي دون ان يكشف عن السياق الذي يحيط بها ولا انعكاسها الفعلي هي في الحقيقة اقرار بان الاقتصاد التونسي بات يعانى من ضعف وهشاشة انعكست في نسبة النمو ذات النسق البطيء والتي لا تحدث فرص عمل جديدة.
ولا يقتصر الامر على التأكيد بأننا امام نمو هش بل هو ما ترسمه قراءة المؤشرات بالاستناد لتصريح وزير ألاقتصاد فما يعلنه الوزير ويتأسف عليه هو ان الدولة التونسية «المستثمر الاكبر» قد قلصت من نفقات الاستثمار العمومي للحفاظ على توازناتها المالية.
ما لم يقله الوزير ان هذا التقشف الذي امتد ليشمل نفقات الاستثمار سينعكس سلبا على لاستثمار بشكل عام، فالدولة هي المستثمر الاكبر في تونس وهي من القاطرة التي تجر باقي العربات، الاستثمار الخاص الداخلي والاستثمار الخارجي. وحين تقلص الدولة من نفقات استثمارها العمومي فان اول انعكاسات ذلك تراجع الاستثمار الخاص.
وإذا اجتمع الامران معا فان محركات التنمية تتعطل ومعها يتراجع الانتاج وهذا يؤدي في النهاية الى عدم خلق الثروة ومواطن الشغل، وببلوغ هذه النقطة سنعود الى مربع البداية وهو ازمة المالية العمومية ومنها تكرر الدوران في حلقة مغلقة لن نغادرها ان استمرت التضحية بالاستثمار العمومي.
فمعضلة تونس تكمن في ان مثبط محركات التنمية فيها هو سياسات الدولة التي تنتهج اليوم مقاربة التقشف التي يجب ان تقتصر فقط على نفقات التصرف والتسيير وان لا تشمل الاستثمار، والخشية كل الخشية اليوم ان تستمر هذه السياسية وان توجه الحكومة عائدات عملية التفويت في منابات ومساهمة الدولة في عدد من المؤسسات العمومية بذات المقاربة التي تهمل اهمية الاستثمار العمومي وحتميته لخلق الثروة اليوم في تونس والتي هي في امس الحاجة لها للخروج من هذا النفق المظلم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا