على خلفية تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية: في حدود سياسة الانفراد والمرور بقوة

تمر الأيام في تونس وتتشابه بشكل غريب : خطاب سياسي رسمي محلق في السماء لا علاقة له بواقع الناس وحكومة لا تملك الصلاحيات وحتى مجرد المواصفات

لحسن التصرف في اليومي، فما بالك بالاستباق بالقدرة على إنفاذ سياسات ناجعة وأوضاع مالية واقتصادية ومعيشية تتدهور من يوم إلى آخر على مستوى المالية العمومية والاقتصاد الحقيقي وحياة الناس اليومية.
لا ينكر أحد أن لهذه الأزمات أسباب هيكلية وأخرى ظرفية (الكورونا ثم الحرب الروسية على أوكرانيا ) لا دخل فيها للسلطة الحالية ولكننا إزاء سلطة لا تشخص المشاكل بالشكل السليم ولا تملك حلولا واقعية وطموحة في نفس الوقت علاوة على إصرارها على الانفراد بالرأي وسياسة المرور بقوة.
هنالك خلل هيكلي في تفكير جزء هام من نخبنا السياسية وهو اعتقادها بأن السياسي هو مفتاح حلول الاقتصادي والاجتماعي ،والسياسي عندها هو محاولة فرض رؤيتها على المجتمع عند العقائديين(كما هو الحال اليوم وكما كان الحال زمن الترويكا) أو أن السياسة هي غنيمة ومواقع (من 2015 إلى 2021) أو أن السياسي مزيج بين الأمرين كما هو الحال اليوم ..

النقطة المشتركة عند كل هؤلاء هي الجهل بأبجديات اشتغال الاقتصاد التونسي في كل قطاعاته ومجالاته واعتباره مسالة فرعية لا تستوجب اهتماما كبيرا أو التوهم بأن مشاكل الاقتصاد ناجمة فقط عن اختيارات سياسية خاطئة وانه بمجرد تغييرها ستتسحن أوضاع الاقتصاد بصفة آلية.

ما لم تفهمه هذه الطبقة أن الاقتصاد يقوم على معطيات بسيطة إلى حد ما : موقع ما في سلم القيم الإنتاجية (أي من أسفل السلم إلى إنتاج السلع والخدمات ذات القيمة المضافة العالية جدا) وان هذا الموقع يحتاج الى مواد أولية ونصف مصنعة وأسواق وتنافس ولوجستيك ويد عاملة في مختلف الاختصاصات وقدرة على الإدماج ومستوى معين من الاندماج المحلي والعالمي وتوازنات اقتصادية ومالية كبرى من توريد وتصدير وميزان تجاري وميزان جاري ..وسياسة نقدية ومفاوضات إقليمية ودولية الخ.. مع بيئة قانونية وتراتيب إدارية وتكون محصلة كل هذا اقتصادا قادرا على النمو والارتقاء في سلم القيم أم لا ..
غني عن القول أن كل هذا يحتاج إلى رؤية وتخطيط وعمل يومي دؤوب لتحسين كل المؤشرات لخلق هذه الثورة التي تسمح للدولة بلعب أدوار اجتماعية إستراتيجية في التعليم والتكوين والصحة ورعاية الفئات الهشة وتطوير الثقافة والرياضة ..
ماهو المنوال الاقتصادي الأفضل ؟ الجواب سهل إلى حدّ ما : هو ذلك المنوال القادر على إدماج الغالبية الساحقة من المواطنات والمواطنين في دورته الإنتاجية والقادر أيضا على خلق الحد الأدنى من الرفاه الاجتماعي ..
هذا ما عجزنا عنه،بنسب متفاوتة،على امتداد هذين العقدين الأخيرين بوضوح كبير-أي منذ الهجوم الإرهابي على جربة في -2002..

عندما ننظر إلى كل الممكنات ،وهي كبيرة والتي مازال يحملها اقتصادنا الوطني وإلى كل السياسات –أو غياب السياسات– التي عمدت إليها الحكومات المتعاقبة منذ 2011 ندرك حجم الكارثة وهذا الوقت الذي نحن بصدد إهداره والذي يجعل من تونس بلادا طاردة لأبنائها بصفة متزايدة.
ما يعاب على السلطة الحالية لا فقط انغلاقها السياسي وانفرادها بالرأي ..ما يعاب عليها أساسا هو فقدانها لكل تصور عقلاني لتسيير البلاد ورفع مختلف هذه التحديات ..

وما يعاب عليها أساسا تفريطها المتعمد في الحد الأدنى من الوحدة الوطنية ومن حشد كل القوى من أجل النهوض بالبلاد وكل ذلك سيرا وراء سراب الجنة الموعودة التي ستأتينا على طبق بفضل النظام القاعدي والصلح الجزائي والشركات الأهلية ..
لقد غرقت البلاد في نقاش بيزنطي حول الشرعية والمشروعية ونسيت أن السلطة مطالبة أولا وأخيرا بشرعية الإنجاز ..
فعلا لقد أصبحت تونس بلادا مختصة في إهدار الفرص.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا