انطلاق مسار البت في الجرائم الانتخابية: في تقاطعات الزمنين القضائي و السياسي

جاء بلاغ مكتب الاتصال بالمحكمة الابتدائية بتونس، ليعلن عن ان الزمن السياسي في تونس بات متشعبا الى ازمنة عدة من بينها الزمن القضائي، ذلك أن 19 شخصا

احيلوا على القضاء من اجل جرائم انتخابية سجلت في تقرير محاكمة المحاسبات الخاص بالاستحقاقين الرئاسي والتشريعي سنة 2019.
بلاغ اعلنت فيه المحكمة الابتدائية انه تقرر احالة 19 شخصا على المجلس الجناحي بالمحكمة الابتدائية بتونس من اجل جرائم انتخابية وذلك بعد اتمام الاستقراءات والابحاث وذلك اثر احالة القضية من قبل وكيل الدولة العام لدى محكمة المحاسبات على النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس أفعالا من شأنها أن تشكل جرائم انتخابية .

جرائم اتهم بارتكابها كلّ من نبيل القروي و يوسف الشاهد وعبد الكريم زبيدي وراشد الخريجي) الغنوشي( و ربيعة بن عمارة وسليم الرياحي وأحمد الصافي سعيد وحمادي الجبالي و حمة الهمامي وسلمى اللومي ومحمد الصغير النوري و محمد المنصف المرزوقي وناجي جلول و محمد الهاشمي الحامدي والياس الفخفاخ و مهدي جمعة و منجي الرحوي و لطفي المرايحي و سعيد العايدي. اي 18 مترشحا سابقين للانتخابات الرئاسية ورئيس حركة النهضة. في انتظار ان تقع احالة اخرين، اذ حمل البلاغ اشارة الى انه «تعذر إحالة غيرهم على المحكمة لأسباب تتعلق ببعض الإجراءات الخاصة بإثارة الدعوى العمومية المرتبطة بصفة المخالف واستكمال بعض الأبحاث»:

وقد أحيل جميع هؤلاء من أجل ارتكاب جرائم مخالفة تحجير الإشهار السياسي والانتفاع بدعاية غير مشروعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والدعاية خلال فترة الصمت الانتخابي طبق الفصول 57 و 69 و154 و155 من القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء.

ويقف البلاغ هنا، بعد ان اعلن عن تفرع الزمن السياسي الى ازمنة سيكون ابرزها الزمن القضائي، اذ ان إحالة الشخصيات الـ 19 على القضاء من اجل جرائم انتخابية في سياق التدابير الاستثنائية، أيا كانت مخرجات مسار التقاضي سيكون أثرها الابرز انعكاسها السياسي على المسار الذي انطلق مع بداية السنة الجارية، اي المسار الذي اعلن عنه الرئيس في 13 ديسمبر الفارط ويتضمن اجراء استفتاء وانتخابات تشريعية في اخر السنة.

فالاثر السياسي لهذا الزمن القضائي، هو ان عملية تصفية منظومة 2019 ومن ورائها كل منظومات الحكم والنظام السياسي والطبقة التي سيرت البلاد خلال سنواتها العشرة من 2011 الى 2021، قد انطلق مسارها القضائي بعد ان اعلن الرئيس في 25 جويلية انطلاق مسارها السياسي باعلانه عن التدابير الاستثنائية.

أي اننا امام مسارين، يفرزان مخرجات سياسية بالاساس متقاطعة، وهي اعادة رسم المشهد السياسي التونسي بقواعد جديدة، خاصة وانه تم الاشارة الى ان التقاضي لن يقف عند المحالين الـ19 ل قد يتوسع ليحال غيرهم الى القضاء في جرائم انتخابية. وهنا اعادة رسم المشهد ليس بتعديل نتائج الانتخابات عبر اسقاط قائمات او اية عقوبات قضائية أخرى بل في تداعيتها المباشرة على الفعل السياسي، فجل المحالين على القضاء خاصة من المرشحين للانتخابات الرئاسية اضافة الى رئيس حركة النهضة، هم الخصوم الحاليون لمسار الرئيس السياسي، راشد الغنوشي ونبيل القروي وحمة الهمامي وصافي سعيد وآخرون. اي اننا امام عملية فرز جديدة للمشهد توكل فيها سلطة التقييم والمحاكمة للشارع اي التونسيين اكثر مما هي ممنوحة للقضاء.

فالرئيس الذي ظل طوال الاشهر الاخيرة من سنة 2021 ينتقد بطء التقاضي وتاخر البت في الجرائم الانتخابية من قبل المحاكم التونسية، كان حريصا في نقده على ابراز «خلل» المنظومة السياسية وقدرة اللاعبين فيها على حماية تجاوزاتهم وانتهاكاتهم للقانون، واليوم وباحالتهم يكون قد حقق هدفين، دفع القضاء إلى التحرك وفق نسق يتناغم مع المسار السياسي الراهن، وثانيا اقامة الحجة على الطبقة السياسية وعلى «فسادها» كما يعتبر أن هذه الخطوة – وهنا يجب التشديد على انها لا تعنى استجابة من القضاء لنوازع الرئيس- تنتقل بالفعل السياسي في تونس الى مرحلة جديدة، قد يتخذ لها عناوين عدة من قبل هذا الطرف او ذاك ولكنها ستؤدي لنتائج موحدة، وهي ترسيخ مسار الرئيس السياسي كامر واقع لا يمكن العودة عنه حتى وإن كانت هناك امكانيات تعديله وتحسين بعض بنوده.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا