تونس السعيدة أو ما دون الشعبوية

كثيرا ما يوصف الرئيس قيس سعيد لدى النخب بالشعبوي. وليس هذا الوصف ببعيد عن الواقع، خاصة في تعبيره عن طبيعة الخطاب

المعتمد من الرئيس وأنصاره. ومن ذلك مهاجمة النخب السياسية والاقتصادية والثقافية، واعتبارها مسؤولة أخلاقيا عن آلام الشعب ومآسيه.
ولكن الشعبوية كموقف سياسي لا يمكن أن تقف عند حد الخطاب. إذ يفترض دعاتها أيضا أن معاداة النخب يمكنها أن تمثل وسيلة من أجل الانتصار للشعب. لذلك، فإنهم، حين يهاجمون النخب، يقترحون بعض الآليات التي من شأنها أن تبيّن كيف يمكن للشعب أن يستفيد من تلك المعاداة. مثال ذلك أن يحسب الشعبوي أن بإمكانه توفير الحياة الكريمة للجميع من خلال توزيع الثروة أو تأميم وسائل الإنتاج أو تقليص الحضور الأجنبي لتوفير مواطن الشغل والترفيع في الأجور. ومن الآليات المفضلة لدى الشعبويين اقتراح فرض الضرائب على الأغنياء من أجل توزيع الثروة لفائدة الفقراء. دون هذه الآليات والمقترحات أو ما شابهها تصبح معادة النخب غاية في حد ذاتها. فكأنما تستجيب فقط لمشاعر الحسد التي تعتمل في صدور الناقمين. تستجيب لها، لا من خلال الطموح المشروع لرفع البؤس عن البؤساء، ولكن من خلال معاداة قيمة النجاح وتمجيد الفشل وفرض المساواة من الأسفل، وذلك بإلحاق الأغنياء والناجحين بجحافل البؤس وكتائب اليأس.
السؤال الآن: في أي خانة يقع خطاب الرئيس سعيد؟ للإجابة ندعو كل مواطن إلى التأمل في محتوى خطابه الاقتصادي والاجتماعي. ما هي أبرز مرجعياته وما هي أهم ملامحه؟ وما هي الحلول التي يقترحها؟
لا شك أن المواطن الذي سيستجيب لطلبنا هذا سيجد صعوبة في الإجابة عن هذه الأسئلة. ولا يعود ذلك لكثرة المرجعيات وعمق الفكر وتقنية الحلول المقترحة، كما جرت العادة مع الاقتصاد. إن الصعوبة تأتي هذه المرة من الغياب شبه التام لهذه العناصر.
يبدو أن الرئيس لا يرضى لنفسه أبدا أن يكون كغيره من النخب. فهو لن ينزل (ما عاذ الله) إلى درك اقتراح الحلول. فالحلول «لا بد أن تنبع من الشعب الذي يعرف ما يريد، وهنيئا له بما يريد». كل ما يقترحه الأستاذ هو أن يمكّن هذا الشعب من «الآليات القانونية» لكي يتسنى له اتخاذ القرار، وبالتالي تحقيق ما يريد.
تخيل أيها المواطن أن تزور عيادة طبيب كتب على بابه: «هنا علاج من يريد بما يريد». تدخل العيادة، فإذا أنت أمام رجل يلعن المرض لعن الرئيس للسياسة. ثم يعرّض بالأوبئة والجوائح المستجدة والسلالات المتحورة تعريض الرئيس بالسياسيين. تحاول أنت المريض أن تصف علتك، فلا يستمع إليك. ثم لعلك تطلب منه أن يشخّص حالتك، فإذا هو يجيب: «إن علتك معروفة بالاسم. وأنا أعلمها علم اليقين. وأنت أيضا تعلمها. والجميع يعلمها. وستأتي اللحظة التاريخية التي نكشف فيها للعالم اسم المرض وعناوين الجراثيم المتورطة فيه».
بعد هذا الوضوح تتنظر أنت كمريض وصفة تزيل علتك. فيجيب الطبيب: «إنها الإرادة. ألم تقرأ ما كتب على الباب»؟ تجيب أنت: «وكيف ذلك؟» هنا ينظر إليك الطبيب مستغربا، ويقول: «ما حك جلدك مثل ظفرك. أمّا أنا فدوري أن أوجد لك الآليات التي تصل بين الظفر والجلد».
في الحقيقة، هذا هو حال الرئيس قيس سعيد مع الاقتصاد. إنه يعلم كل شيء، «يعلمه علم اليقين». أما الحلول، فهو يختصرها ببساطة في ضرورة إزالة الأمراض التي يعلمها الجميع. من سيفعل ذلك؟ الشعب نفسه طبعا. وذاك معنى الإرادة.
قد يقال: ماذا عن مقاومة الفساد؟ لا شك أن مقاومة الفساد أمر مهم بالنسبة لبلد كتونس. ولكن يُعتبر واهما كل من يحسب أن مجرد هجاء الفاسدين أو حتى إيداع بعضهم السجون بعد الاستيلاء على أموالهم يكفي لإصلاح الاقتصاد. والعكس أقرب إلى الحقيقة. فمثل هذه الإجراءات ستجعل المستثمرين أشدّ حذرا والبيروقراطية أكثر ثقلا. ذلك أن مثل هذه السياسات، التي قد ترضي العامة، تفرض على الجميع مناخا من الخوف. فتضيع المبادرة بحكم أن كل واحد يخشى على نفسه أن تطاله المحاسبة. فيلجأ إلى الانتظار ويفضل الامتناع. أي أن اكتفاء الرئيس بلعن الفاسدين دون بيان آليات تفكيك منظومة الفساد لن يخدم الشعب في شيء. بل إنه يدفع بوضوح نحو الوجهة الخطإ.
على هذا الأساس، هل يصحّ القول بأن الرئيس سعيد شعبوي؟ لا نعتقد ذلك. روبين هود كان شعبويا. فقد وجد في سرقة الأغنياء وإعطاء أموالهم للفقراء آلية لخدمة جمهوره. أما دون كيشوت، فأنّى له أن يوصف بالشعبوية وهو يحارب طواحين الهواء معتقدا أنها مارد من السماء؟
مشكلة الشعبوية أن إجاباتها تبسيطية. ولأنها كذلك، فاعتمادها في واقع معقد يجعلها في أكثر الأحيان تنتج مشاكل أكبر من تلك التي تحل. السؤال: ماذا حين تغيب الإجابات أصلا؟ في مثل هذه الحالة، لا نكون حينها إزاء ظاهرة شعبوية. بل نكون دون الشعبوية، أي أدنى منها. وإذا كان روبين هود لا يمكن أن ينتهي إلا إلى الفشل، فإن دون كيشوت لم يكن يرغب في النجاح أصلا. فمن يرغب في النجاح لا يحارب طواحين الهواء.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا