بعد أسابيع من الحشد الشعبوي السيادوي: تونس تتجه من جديد إلى صندوق النقد الدولي!!

راسلت رئيسة الحكومة التونسية بصفة رسمية المديرة العامة لصندوق النقد الدولي تلتمس منها فتح باب التفاوض مع الصندوق من أجل

عقد اتفاق ممدد جديد، أي برنامج اصلاحات يمتد على أربع أو خمس سنوات وتطمح فيه تونس إلى تعبئة حوالي أربعة مليار دولار.. أي استئناف لنفس المسار الذي شرع فيه رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي منذ حوالي نصف سنة..
ولكن لولا البيان الإعلامي للبنك المركزي لعشية يوم السبت 6 نوفمبر لما علمنا بهذه المبادرة ولا بالاجتماع الذي ضم كلا من محافظ البنك المركزي ووزيرة المالية ووزير الاقتصاد مع وفد من صندوق النقد الدولي يوم الخميس 4 نوفمبر والذي تسترت عيله كذلك الحكومة التونسية بصفة عامة والوزيران المعنيان بصفة خاصة.
والأمر هنا لا يخلو من احتمالين: إما خطاب سياسي مزدوج، سيادوي شعبوي لفظا ينهج على خطى سابقيه ممارسة أو أن السلطة السياسية الجديدة لا ترى أنه من واجبها إعلام الرأي العام بأهم القرارات التي تتخذها فضلا عن الحوار معه وكلا الأمرين في غاية الخطورة...
الدرس الأول هنا أننا بعد أسابيع من خطاب سيادوي شعبوي نقول أنه مؤسس على استقلال قرارنا وأننا لا نحتاج إلى معونة من أي كان إلا إذا احترمت قراراتنا (أي قرارات الدولة التي تأخذها بصفة انفرادية) وبعد أن طلبنا من الدول «الشقيقة» المساندة لقرارات 25 جويلية اعانات مالية لغلق هذه السنة ها نحن نعود إلى نقطة البداية ونريد الدخول في مفاوضات «سرية» مع صندوق النقد وأن نلتزم معه بجملة من الاصلاحات ثم نقدمها فيما بعد باعتبارها قرارات تنبع من السيادة الوطنية فقط لا غير !!
ابتليت البلاد منذ الثورة بأمراض كثيرة من أهمها «دولة الهواة» * والتي تنطبق على غالبية الحكومات التي تداولت على الحكم منذ الثورة إلى حدّ الآن، وأهم ملامح «دولة الهواة» عدم قدرتها على التشخيص السريع وعجزها عن الاستباق وضعفها المفرط في الإنجاز مع رضاء على الذات وافتخار بـ«المنجزات»..
لجوء السلطة السياسية الحالية مجددا إلى صندوق النقد (وهذا يحصل للمرة الثالثة منذ الثورة) وهي مكرهة -على ما يبدو- يؤكد صفات الهواة هذه وعدم القدرة على أخذ القرارات المناسبة في الزمن المناسب.
ولكن صندوق النقد لا يشتغل وفق عقلية الساسة في بلادنا فلقد لدغ منا خاصة في الاتفاق الأخير (2020-2016) حيث لم تحترم الدولة التونسية أيا من تعهداتها لذلك تراه منذ حكومة المشيشي يشترط اتفاقا تونسيا يجمع حوله أهم المكونات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع حزمة من الاصلاحات المرقمة والتي تهدف كلها إلى استدامة الدين العمومي والنهوض باقتصاد البلاد وحماية الفئات الأكثر هشاشة..
ومع كل ذلك يريد صندوق النقد أن يرى البداية العملية لخطة الاصلاح هذه في قانون المالية لسنة 2022، أي الآن الآن وليس غدا!
وهنا نفهم بصفة أفضل الدعوات الملحة إلى التقشف التي يطلقها رئيس الدولة منذ بضعة أسابيع وضرورة «أن يشعر جميع المواطنين بأنهم معنيون بالسياسات التي تنتهجها الدولة» أي أن يسهموا في سياسة التقشف هذه.
لا ينبغي أن يكون المرء خبيرا في الاقتصاد ليدرك أن «حزمة الاصلاحات» التي ستقدمها تونس لصندوق النقد ستتعلق أساسا بالتقليص من نسبة كتلة الأجور مقارنة بالناتج المحلي الاجمالي وأن هذا لن يكون إلا بوقف الانتدابات باستثناء خريجي مدارس التكوين التابعة خاصة لوزارات الدفاع والداخلية والتربية والتشجيع على المغادرة الطوعية لأعوان الوظيفة العمومية وعدم الزيادة في الأجور أو الزيادة فيها بنسبة ضعيفة للغاية ومع ذلك اصلاح منظومة الدعم أي برفعه تدريجيا وبالتعويض للعائلات الفقيرة ومحدودة الدخل وبعض الشرائح من الطبقة الوسطى السفلى وكذلك الخوصصة الكلية أو الجزئية لبعض المؤسسات العمومية وتشجيع الانتصاب للحساب الخاص وإدماج ما يمكن ادماجه من الاقتصاد الموازي في الاقتصاد المنظم مع التحكم في السياسة النقدية بالترفيع، المحتمل، في نسبة الفائدة المديرية وبعدم الدعم الاصطناعي للدينار في سوق الصرف..
والسؤال هنا من سيدافع علنا على هذه الاصلاحات في تونس؟ رئيسة الحكومة أم رئيس الجمهورية؟ ومن سيدير الحوار الاجتماعي والسياسي بشأنها؟ ومن سيواجه أسئلة التونسيين ومخاوفهم جرّاء هذه السياسات؟
هل سنجد من سيواجه البلاد ويسعى إلى إقناع المواطنين بضرورة هذه الاصلاحات أم أنه يجب علينا متابعة الرائد الرسمي والاطلاع على كل هذه التحولات عندما تصير مراسيم رئاسية نافذة؟
في عبارة واحدة: هل سنعامل كمواطنين أم كرعايا؟!
---------------
 «دولة الهواة، سنتان من حكم الترويكا في تونس» للمؤرخ والكاتب فتحي ليسير، دار محمد علي الحامي، ومفهوم دولة الهواة الذي ينطبق على حكم الترويكا يمكن أن نعممه لجّل فترات حكم البلاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا