بعد تتالي الهجومات النارية لرئيس الجمهورية: تونس والمنزلق الخطير ..

يبدو أن قيس سعيد قد اختار سياسة الهجوم المستمر على من يعتبرهم خدمة «اللوبي الواحد» أي الأغلبية البرلمانية – في الحدّ الأدنى – وحكومة المشيشي

وفي الحدّ الأقصى كل خصومه السياسيين الفاقدين حسب رئيس الدولة لكل تصور لتونس حتى لا يقول الفاقدين لكل روح وطنية ..وهكذا يكون قيس سعيد قد قبر نهائيا كل إمكانية لقيام حوار وطني أي كل إمكانية لتجاوز هذه الأزمة السياسية الخانقة بحوار يجمع حول نفس الطاولة أهم مكونات السياسية والاجتماعية للبلاد..
هكذا استوجب الأمر أكثر من أربعة أشهر حتى يرفض رئيس الدولة وبصفة نهائية ما بدا انه كان قابلا به ،أي مبادرة الحوار الوطني التي قدمها له الاتحاد العام التونسي للشغل في موفى شهر نوفمبر الفارط وقضى بذلك على أحلام كل مؤيديه لقيام رئاسة الجمهورية بمبادرة جامعة يتوافق فيها أهم الفرقاء على حلول عاجلة وآجلة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ..
ولكن الأخطر في هذا المنعرج الجديد، نسبيا ،لا يكمن فقط في وأد هذا الحلّ الذي نادى به الخصم قبل الصديق بل في المناخ الذي سينتج عنه والذي ستشهد فيه مختلف أجهزة الدولة صراعا استعدائيا غير مسبوق.
قلنا في أكثر من مناسبة أن الاعتقاد بأن رئيس الدولة لا يملك سلطة فعلية إنما هو وهم، فالسلطات التي يقررها له الدستور كبيرة ثم هو بصدد التوسع فيها دون أن يكون لأية قوة أو مؤسسة القدرة على الحدّ من هذا التوسع وحتى المحكمة الدستورية والتي اعتقد بعضهم بأنها ستكون الحكم الأعلى أو السلطة المضادة لرئيس الدولة، فهي لن ترى النور على كل حال إلا متى قرر قيس سعيد ذلك..
لكن يخطئ، أيضا من يعتقد أن خصوم /أعداء قيس سعيد لا يملكون بدورهم «أسلحة» ونقصد هنا بالتحديد الأغلبية البرلمانية الملتفة حول حركة النهضة وحكومة هشام المشيشي ..
فعندما يستفحل العداء بين هذه المؤسسات الثلاث سيفقد قيس سعيد بدوره كل إمكانية فعلية لتمرير ما يريد بدءا بمشاريع القوانين التي بشر بها والتي لن تمر إلا في صورة قبول الأغلبية البرلمانية بها وهي ستكون قادرة على رفضها او تعديلها بما يخالف الهوى الرئاسي دون أية قدرة لقصر قرطاج ،سوى قدرة الردّ والصدّ فقط ليس إلا ..
ثم إن الحكومة بحكم الدستور والقانون والواقع أيضا هي الماسكة بأهم تلابيب السلطة التنفيذية ولا يقدر قيس سعيد على تعطيل عملها بصفة ناجعة فما بالك بإقالة الحكومة أو منع إقالة بعض أعضائها بمن فيهم وزيرا الدفاع والخارجية تحت مسمى «وزير بالنيابة».. فرفض أداء اليمين لن يسقط الحكومة ولن يجبرها على تعامل ودي مع الرئاسة بل العكس هو الذي حصل تماما وهو الذي سيحصل وبأكثر قوة في المستقبل ..
الفترة القادمة ستكون غريبة إلى أقصى الحدود وستشهد فيها البلاد أخطر منزلق منذ الثورة بسعي أهم مؤسسات الدولة إلى ضرب بعضها البعض لا فقط داخليا وفق هذا السباق الصبياني للاستئثار بالمنجزات ولكن في علاقتنا بأهم شركائنا الدوليين وهذا ما بدأ يحصل وفق تصريحات عديدة لا نملك إثباتا قطعيا لها، ولكن المنطق المعكوس الذي يقود اليوم أهم مؤسسات الدولة لا يمكن أن يؤدي إلا إلى هذا: تعطيل وتقزيم المؤسسة المنافسة حتى لو استدعى الأمر الاستقواء عليها بالأجنبي ..
لا أحد يعلم متى ستنتهي هذه المرحلة العبثية والتي أصبحت فيها الدولة محور الصراع الأساسي ، ولا احد يعلم كذلك التخوم الممكنة لحرب الكل ضدّ الكل هذه ولكن الأكيد أن آثارها الكارثية البادية منذ الآن ستتفاقم وتتعاظم بسرعة جنونية بحكم جدلية الفعل ورد الفعل ..
انه الرهان على الدمار وإستراتيجية إغراق السفينة باعتبارها هي الوحيد القادرة على إغراق ركابها .
لقد انتقلنا من العبث الطفولي إلى التهديد الجدي لقوام وجودنا ولعيشنا المشترك.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا