أغلقَ كل منافذ الحوار وأبّد الأزمة: «كتاب» قيس سعيد والمنعرج الجديد

لم يشك أحد في أن رئيس الجمهورية سيردّ مشروع القانون الأساسي المتعلق بتنقيح وإتمام القانون المتعلق بالمحكمة الدستورية،

ولعله لهذا السبب لم تطعن المعارضة في دستورية هذه التنقيحات حتى تفسح المجال لرئيس الدولة لردّه.. كما كنا نتوقع الخطّ المغربي وبعض القرآنية والتراثية على عادة صاحب قرطاج، ولكن هذا «الكتاب» المطول جاءنا بالجديد هذه المرة شكلا ومضمونا ولعل أغرب ما فيه الصيغة العيسوية (نسبة إلى المسيح عيسى بن مريم) في السلام أولا وآخرا «السلام علينا»، ثم كثرة الاستشهادات من أبي العتاهية وصولا إلى الطاهر بن عاشور مرورا بابن شهيد الأندلسي وصاحب تاج العروس وسيبويه وشواهد من القران الكريم علاقتها بسياق الرد تدفع إلى أكثر من تأويل ومن وجه.
ولكن الأساسي في كل هذا هو قيام الردّ على فكرة أساسية وهي لا دستورية إرساء المحكمة الدستورية اليوم ما دمنا قد تجاوزنا اجل السنة بعد الانتخابات التشريعية في خريف 2014 كما نصت على ذلك الأحكام الانتقالية في الدستور.. وعليه فلا معنى لتغيير الأغلبية أو الإبقاء عليها، بل ولا معنى أصلا إلى إرساء هذه المحكمة اليوم وهذا بغض النظر عن الأغلبية البرلمانية الحالية وعن طبيعتها ..
نلاحظ هنا فقط انه لا علاقة البتة بين تنقيح القانون الأساسي المنشئ للمحكمة الدستورية ومسألة تجاوز الآجال، لان القانون يتعلق بالمهام وبطريقة الاختيار وبشروط الترشح والتزكية وهذه كلها لا علاقة لها بالآجال..
ما له علاقة بالآجال هو انتخاب أو تعيين أعضاء المحكمة الدستورية بما يفيد أن مسألة الآجال هي مسألة سجالية فقط ليس إلا ..
لو حاولنا تطبيق هذه القراءة على مستقبل المحكمة الدستورية لقلنا بأن إرساءها أصبح مستحيلا في المطلق لأننا تجاوزنا الآجال المنصوص عليها في الدستور، وتغيير هذا المعطى يقتضي تنقيح الدستور،وتنقيح الدستور يقتضي الوجود السابق للمحكمة الدستورية ..نحن إذن في حلقة مفرغة لا فكاك منها أبدا ..
لم يكتف الرئيس بهذا الحدّ بل اعتبر أن اختصاصه الحصري لختم القوانين هو اختصاص مطلق غير مقيد إذ اقر لنفسه بصفة غير مباشرة عدم ختم القوانين التي يصادق عليها البرلمان ،فالختم «قرار» ورفضه أيضا «قرار» حسب التعبير الرئاسي ..
الواضح أن قيس سعيد لا يعترف بما يسمى بالصلاحية المقيدة،فكل صلاحياته من ختم وأداء اليمين.. هي صلاحيات مطلقة يقررها وفق ما يراه من تناسق بينها وبين المبادئ الدستورية، فهو على حدّ عبارة الأستاذ احمد صواب القاضي الدستوري الوحيد اليوم وغدا، أي ما دام رئيسا للجمهورية.
والنتيجة الواضحة أن المحكمة الدستورية لن ترسى خلال هذه العهدة حتى لو تمكن البرلمان من انتخاب ثلاثة أعضاء بالأغلبية المعززة القديمة (145 نائبا) وحتى لو انتخب المجلس الأعلى للقضاء الحصة التي تعود إليه (4 أعضاء ) فالرئيس لن يعين أحدا في المحكمة الدستورية وهو لن يقبل بأن يؤدي أحد أمامه اليمين .
ونحن هنا أمام فرضيتين : إما أن يخفق مجلس النواب في المصادقة ثانية على هذه التعديلات بأغلبية %60 من النواب (131 نائبا) ثم يخفق في انتخاب الأعضاء الثلاثة المتبقين بالأغلبية المنصوص عليها في قانون 2015 (ثلاثي، أعضاء المجلس أي 145 نائبا) وهنا تسقط المحكمة الدستورية فعلا في هذه العهدة أو أن يتمكن من أحد الأمرين ويرفض رئيس الدولة هذه النتيجة إما بختم القانون معدلا أو برفض التعيين من جهته وأداء اليمين لأعضاء المحكمة الدستورية المنتخبين من البرلمان ومن المجلس الأعلى للقضاء،وهنا قد نصل إلى مستوى آخر في كسر العظام بين مختلف أجنحة السلطة خاصة إذا ما عمدت السلطة التنفيذية ممثلة في الحكومة إلى نشر التنقيحات بالرائد الرسمي دون ختم رئيس الدولة.
وهنا سيجد مناصرو الرئيس داخل البرلمان أنفسهم في وضعية حرجة للغاية: هل سيقبلون بهذه القراءة الدستورية لقيس سعيد والتي تنزع الشرعية الدستورية والقانونية لا فقط على احتمال قيام المحكمة الدستورية بل على المجلس الأعلى للقضاء المركز هو كذلك خارج الآجال الدستورية؟ أم أن الصراع السياسي سيطغى على كل شيء بما في ذلك القراءة العقلانية للدستور ولقيام مختلف مؤسسات الدولة ؟..
الواضح على كل حال أن رئيس الدولة قد قطع نهائيا كل إمكانية لحوار وطني سياسي جدي وانه بذلك قد أعطى أسلحة إضافية لخصومه في البرلمان وفي الحكومة لمزيد التمترس ولرفض كل إمكانية لخروج سياسي من هذه الأزمة الحادة التي تتخبط فيها البلاد..
والواضح كذلك أن قيس سعيد يريد أن يدفع بكامل المنظومة السياسية إلى الانهيار بوقوفه أمامها كحائط صدّ يصعب ،بل يستحيل، تجاوزه ولكن وإن كان رئيس الدولة يمتلك كل قدرات ووسائل السلب إلا انه لا يستطيع في المقابل أن يفرض حلاّ ما بواسطة المؤسسات التي تعارضه بل وستعاديه بأكثر شراسة في المستقبل ..
ماذا بقي إذن ؟ أزمة مستمرة ومتفاقمة إلى حدود خريف 2024 أم أزمة اجتماعية قد تعصف بالجميع ؟ أم فرض حلول «ديبلوماسية» من الخارج بممارسة ضغوطات مالية على البلاد !تونس ،فعلا،على كفّ عفريت ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا