غياب الاتحاد عن لقاءات «بيت الحكمة»: هل يتدارك الرئيس؟

يوم امس تغيب الاتحاد العام التونسي للشغل عن جلسة حوار «بيت الحكمة» الذي تشرف عليه رئاسة الحكومة.

مما ترك المجال للتأويل الذي يعفيه من القول الصريح بأنه سيمنح رئاسة الجمهورية فرصة جديدة لتنزيل مبادرة الحوار الوطني واستعادة زمام المبادرة.
إذن الاتحاد وبشكل مباشر اسقط امس رهان حكومة هشام المشيشي المتمثل في السعى الى مراكمة المكاسب الاخيرة، من بوابة لقاءات «بيت الحكمة» المخصصة للمشاورات حول الانعاش الاقتصادي وتنشيط الاستثمار والتي يشرف عليها رئيسها، وظنها انها وبعد امضاء محضر الاتفاق بينها وبين الاتحاد يوم الاربعاء الفارط أنها قد وفرت ارضية مثلى لتحقيق نقاط اضافية على حساب خصمها رئيس الجمهورية.
بشكل غير معلن ولكنه صريح تكشف خطوات الحكومة ومنها التسريع باستئناف مشاورات بيت الحكمة عن هدف قطع الطريق نهائيا امام امكانية إقامة اي حوار وطني قد يمثل «خطرا عليها»، أي انها ارادت ان تفرغ الحوار الوطني المزمع من مضامينه الاقتصادية والاجتماعية بما يحول دون دعوة الرئيس اليه.
لكن هذه الحسابات سقطت في الماء حينما غاب اتحاد الشغل امس عن اشغال اللقاء دون تقديم اعتذار او شرح اسباب الغياب، وهذا يبدو انه مقصود لترك هامش للتأويل والبحث عن اجابات شتى تتيه في خضمها الاجابة الفعلية، وهي ان الاتحاد لم يفقد بعد الامل بشكل كلي من رئيس الجمهورية. ولهذا فهو يترك له هامشا للحركة لاستعادة المبادرة وإطلاق حوار وطني شامل وقد يعود إلى ضم ملف الاصلاحات الهيكلية في اطار اشمل.
هذا المنفذ الذي يفتحه الاتحاد لرئيس الجمهورية، يقوم بشكل اساسي على تصور متكامل لدى المنظمة النقابية قوامه انها «حكم» ووسيط في الازمة وانها جهة اقتراح للخروج من الازمات حينما تشتد، وان هذا يجعلها في بعض الاحيان تتحرك على اكثر من واجهة لحل الازمات وذلك ليس من منطلق الاصطفاف او الانتصار إلى طرف على حساب طرف آخر.
صورة رسخها الاتحاد اكثر بعد ان فسّر امضاءه الاتفاق مع الحكومة من قبل الاخيرة وأعضاء حزامها السياسي على انه اصطفاف او بدايته وهو ما فتح شهيتهم لجر الاتحاد اكثر الي صفهم او هذا ما بحثوا عنه لقطع الارتباط بين الاتحاد والرئاسة. مستغلين اخطاء الرئيس وإهداره للوقت والفرص.
لكن بين حسابات الحكومة وحزامها السياسي وحسابات الاتحاد والممكن عنده هناك اختلافات عدة، وهذا ابرزه امس غياب الاتحاد عن اللقاء مع تركه المجال لتفسير ذلك على ان سببه الخلافات الجديدة بين الاتحاد ومنظمة الأعراف على خلفية تصريحات سامي الطاهري الامين العام المساعد ورد الاعراف عليه وتصعيدهم الخطاب ضده وهو ما قابله الاتحاد بصرامة.
صمت الاتحاد عن تأويل غيابه على انه ناجم عن خلافه مع منظمة الأعراف ينطلق من ان المنظمة لا يزعجها ان يكون الخطاب المفسر لغيابها مقتصرا على هذه الفكرة فهذا سيمنحه هامشا للتحرك إذا استمر صمت الرئاسة طويلا.
أي ان الاتحاد لا يريد ان يقع تسويق غيابه على انه منح لفرصة اخيرة لرئاسة الجمهورية لاستعادة زمام المبادرة السياسية وتنزيل الحوار الوطني في اسرع وقت، هي تريد من الرئاسة ان تلتقط الفرصة هذه المرة وان تسارع بالحسم إذا لم ترغب في البقاء على هامش المشهد او ان يدفع بالمنظمة الى ان تنفض يدها منه وان تتوقف على المراهنة عليه.
هكذا يمنح الاتفاق المبرم بين الاتحاد والحكومة معنى إضافيا وهو الضغط على رئاسة الجمهورية وإبراز ان الاتحاد له القدرة على ان ينزل مبادرته بإشكال مختلفة ولكن لازال راغبا بأن تكون الرئاسة جهة الاشراف برضا تام من الاتحاد وليس لان الرئاسة هي الخيار الوحيد وانما الاتحاد يتحرك في المشهد التونسي وفق تصورات لها محاذيرها ومقاديرها ومنها ان المنظمة ليست في صف احد، وليست من عناصر المعادلة الحكومية ولا هي جدار الصد او الحامي للاغلبية البرلمانية. وان الاتحاد لا يمكن ان يسحب منه دوره كقوة اقتراح يمكنها ان تتدخل في اللعبة السياسية إذا بلغت الأخيرة أوج أزمتها.
هذا ما يدفع نحوه الاتحاد وأساسا ما يحرص على ان تلتقطه رئاسة الجمهورية لتدرك ان تعطيل تفعيل مبادرة الحوار يضر بالبلاد وبالرئاسة نفسها. ولذلك عليها ان تستغل بحكمة الفرصة الجديدة التي تمنح إليها، وهذه الفرصة ليست سرمدية غير محدودة في الزمن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا