الجيــــــــــل الخطـــــــأ

ينتهز أغلبهم فرصة حلول الثامن من مارس ليقدّموا الورود الافتراضية والتهاني إلى النساء متجاهلين أنّ ما يحدث هنا وهناك

(وآخرها المشروع المصري لقانون الأحوال الشخصية)، مثير للقلق والمخاوف ومحفّز على الاستقرار في الساحات والشوارع تعبيرا عن الغضب والاستياء من الأنظمة القمعية/الأبوية/الهيمنية التي تسعى منذ سنوات، إلى لجم الفتيات والنساء والعابرات /ين وتقليم أظافرهنّ وإعادتهنّ إلى بيوت الطاعة بعد أن «أفسدهنّ» مناخ الثورات، وتمّ التلاعب بعقولهنّ، وتزييف وعيهنّ فتجاوزن حدودهنّ وظننّ أنّهن فاعلات ورائدات ومالكات أمرهنّ وقراراتهنّ وأجسادهنّ... وإزاء هذا المدّ النكوصي لا يعتبر الثامن من مارس في نظر المنغمسين في هموم الناس، يوما للاحتفال «البــارد» والنشـاطيـّة «اللينــة والرخــوة» وSoft-cool في الفنادق ذات الـ5 نجوم بل هو مناسبة تسترجع فيها النفوس الأبيّة تاريخا من القهر وتاريخا من النضال النسائيّ في كلّ أنحاء العالم: في المكسيك والولايات المتحدّة الأمريكية والبرازيل واليمن وسوريا وغيرها. ومادامت الشعوب تشكو داء النسيان فلا بأس بالتذكير بالمطالب القديمة و كذلك الجديدة.
ولأنّنا مللنا السرديات التي تنجزها بعض الجمعيات النسويّة والمراكز النسائية المتمركزة على ذاتها والضليعة في إعادة إنتاج نفس ميكانزمات النظام البطريكي من احتكار للمواقع والخطابات وهيمنة وضرب للوصاية على الأخريات، وإصرار على الاستبعاد، والإقصاء فإنّنا أردنا أن نخصّ الأصوات الجديدة بهذه الافتتاحيّة مبرّرنا في ذلك أنّها ساهمت في تغيير المشهد، وإدخال براديغمات جديدة فصار لها حضور ملفت للانتباه في مسار الحركات الاجتماعية وانتزعت بذلك الاعتراف. ورغم كلّ هذا التمكّن فإنّ هذه الأصوات الجديدة لاتزال في نظر أصحاب القرار والمواقع، متهمّة بالفسوق والفساد و«قلّة التربية والوعي» وهي مدانة تعتدي على «الأخلاق الحميدة» فهي «الجيل الخطأ».
يصرّ أهل السياسة و أهل الإعلام وأهل القانون والمنتمون إلى المؤسسة الأمنية وغيرهم من المستفدين من وضع استشرى فيه الفساد على تسييج هذا الجيل في دائرة تُهيمن عليها الأحكام المسبقة والصور النمطية والنزعة الأخلاقاوية. فهذا الجيل ارتكب الخطيئة حين» تجاهر بما ينافي الأخلاق الحميدة وكشف المستور، وعبّر بلغته عن وضع متعفّن تقاطعت فيه الهيمنة الأبوية مع الهيمنة الاقتصادية مع الهيمنة السياسية مع الهيمنة الثقافية...وتشابكت فيه المصالح الكولونيالية مع المصالح الذاتية والمصالح الحزبية وغيرها. إنّه جيل تجرّأ على تسمية الأشياء بمسمياتها دون تنميق أو توشية وصاغ خطابا بليغا يفضح اللامرئي للعموم...إنّه جيل ينبذ الاستعارات والترميز فيعبّر عن الواقع الفجّ دون استعمال مشرط جراحة التجميل فيستبدل «بلغ السيل الزبى» بـ«فلقطنا» ويستعيض عن «ضاق صدري» ... بـ«كرّزنا» ...
إنّه جيل يفكّر في الغالب، خارج الصندوق Out of the Box وخارج الأطر التي وفرتها النسويّة، القومية، الاشتراكية... وبعيدا عن التسييج الحزبي أو الجمعياتي النسوي وغيره، يتمرّد على الحدود التي يفرضها حرّاس الأخلاق والنقاء «والطهرانية» والقيم وأحادية النظرة والتصوّر فينزّل نضاله في إطار التعددّ والغيرية والتنوع والاختلاف وثقافة الحقوق وقيم الحرية والمساواة والكرامة والعدالة... المعمّمة. والمساواة التي ينادي بها هذا الجيل لا بدّ أن تشمل الجميع وأن لا تقتصر على المساواة الجندرية بل تتجاوزها إلى المساواة خارج محدّدات الطبقة والسنّ والفقر والاحتياجات الخاصة والعرق والاثنية والاختيارات الجنسانية والدين والأيديولوجيا وغيرها. فلا معنى لنضال مجزّإ أو نخبوي أو يسير وفق أولويات إذ يتعيّن التحرّك ضدّ كلّ أشكال التمييز التي تحول دون تحقق المواطنية التامة للجميع : التمييز ضدّ السود، أصحاب وصاحبات الاحتياجات الخاصة وعاملات/ين المنازل و المهاجرات/ين وعاملات/ي النظافة وصغار الفلاحين والعاملات الفلاحيات وغيرهن من الفئات الهشّة.
تلتحم هذه المجموعات التي امتلكت الصوت ومثلت نفسها وجدّدت أشكال المقاومة بكلّ الفئات التي تعاني من القهر والاستغلال والتجهيل الممأسس والتجويع... فلا يلهيها الصراع على الزعامات والكراسي والمواقع عن الأهداف المرسومة لأنّ صراعها هو ضدّ الفقر والفساد والمحسوبية وهدر كرامة المطحونين نتيجة سياسات نيوليبرالية فاشلة وعولمة قسرية وأشكال جديدة من الاستعمار. ولأنّه جيل متصالح مع ذاته وجسده فإنّه لا يخشى الإفصاح عن غيريته أو قلقه الهووي فلا ينافق ولا يتجمّل ولا يمتثل للمعايير والقيم التقليدية. فما يخجله ليس المثلية ولا العبور الجنسي و... بل نهب الخيرات واستغلال النفوذ واستغلال الكادحين/ات... ولا يزعجه الصراخ ولا اللعن ولا استعمال الكلمات النابية فواقع الفساد والنهب والقمع والنفاق أحقّ بأن يدان.
جيل المساواة إدماجي في الغالب يحترم حقّ الجميع في التعبير والتفكير والاحتجاج والمطالبة بالتغيير والمقاومة ولذلك يصعب على من لم يعش هذه التجارب الفريدة أن يفهم الديناميكية الجديدة التي تجعل الحديث عن اليوم العالمي غير متنزل في إطار المطالبة بالحقوق النسائية فحسب: إنّه يوم الإعلان عن الغضب وتجديد العهد مع النضال وهو نضال يتجاوز النساء إلى الفتيات والفتيان، والتونسيات إلى المهاجرات واللاجئات ... يساهم فيه الجميع: النساء والرجال والعابرون/ات والكويريون وغيرهم من الفئات التي تسعى إلى تغيير الحاضر وصناعة المستقبل.
ويمكن القول بعد إرهاصات تشكّل الحركات الجديدة كالحركة النسوية السوداء التونسية والحركة النسائية العمّالية والحركة الكوويرية وغيرها أنّ النضال المشترك ضدّ فرض الوصاية وكلّ أشكال الهيمنة والقمع قد دخل منعرجا جديدا فطوبى لمن وعى وأبصر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا