الحكم بـ30 سنة سجنا في قضايا استهلاك مخدرات: المنظومة الأخلاقوية «تقتلنا»

«لا يوجد داع للاستغراب» بهذه الكلمات علق الناطق الرسمي للمحكمة الابتدائية بالكاف على الحكم بـ30 سنة في قضية استهلاك مادة مخدرة «الزطلة»

، فالقاضي هنا وفق قوله طبق القانون وفصوله وحكم على 4 اشخاص بالسجن لثلاثة عقود من اجل تدخين سيجارة من المواد المخدرة /«زطلة».

هذا الحكم الصادر جاء ليعلن عن الاستمرار في الصمت وعدم التحلي بالشجاعة للقول بان الترسانة القانونية التونسية في قضايا الحريات الفردية -التي من بينها استهلاك المواد المخدرة- متخلفة ورجعية تستحضر كائنا اخلاقويا يفرض ما يراه صالحا واخلاقيا من منظوره على كل من هم تحت «سطوته»، وهذا الكائن هو الدولة التي تصبح «شخصية» دورها تحديد ما هو اخلاقي ومباح في الفضاء العام والخاص وجعل قيمها الاخلاقوية قوانين تستخدم كأدوات هيمنة واخضاع تستهدف المواطنين وتجعل مصائرهم تحت سلطانها.

و تونس دولة جعلت من نفسها حارسا لمقاربة «الاخلاقوية» -بوضعها من في الحكم- متخلية بذلك عن دورها في تنظيم الحياة العامة وحماية الفضاء العام من اي محاولات للهيمنة والسطوة وجعله فضاء مفتوحا يتشارك فيه كل التونسيين وفق قواعد عيش مشترك تتمثل في قوانين هاجسها ليس اخلاقويا بل كيفية منع الضرر وحماية الحياة والممتلكات لتحقيق النفع العام. وهذا ما نجم عنه تنامي الشعور بالضيم والتهميش لدى شرائح وفئات واسعة من مواطنيها.

مواطنون هم ضحايا «الدولة الاخلاقوية»، واخرهم 4 اشخاص زج بهم -تدخينهم سيجارة مخدرة- في السجن لثلاثين سنة قادمة مع النفاذ، في تصعيد جديد للازمة بين الدولة بأجهزتها ومنها القضاء وبين الشارع وجيل من الشباب وجد نفسه في صراع مفتوح ودائم مع اجهزة وقوانين ترغب في ان تجعل منه ذوات متطابقة مع النموذج المثالي الذي يقصى كل من لا يخضع لسلطة الدولة وأجهزتها ومنظومتها القيمية والاخلاقية والجمالية.

ومن ضمن من يقصيهم النموذج ويجعلهم «مجرمين» كل من يدخن ويستهلك «الحشيش/ الزطلة /القنب الهندي»، هذا هي قناعة الدولة وما يستبطنه رجال اجهزتها بدرجات متفاوتة جعلت من القضاة في الكاف يصدرون احكاما منفصلة مجموعها 30 سنة في حق كل فرد من متهمين وقعت احالتهم على القضاء لاستهلاك مادة مخدرة في فضاء عام يتمثل في «قاعة تغيير ملابس» بملعب رياضي.

اين تقف الدولة والى اي حد يمكن ان تذهب قوانينها تلك إشكالية فعلية يجب معالجتها لا الاقتصار على القول بان الخلل يكمن في الاحكام القانونية الردعية التي تبحث عن الزجر في قضايا استهلاك المخدرات عوضا عن التأهيل . او الاقتصار على القول بان الجسم القضائي وخاصة القضاة جزء منهم بـ«محافظون» يميلون لإصدار الحكم الاقصى في قضايا يتناولونها من مقاربة اخلاقوية تبحث عن جعل الماثل امامهم «عبرة « وهذا ما يجعل الاحكام تذهب الى العقوبة الاقصى.

في انكار كلي ان العالم برمته تقدم خطوات في الغاء العقوبة السجنية في قضايا استهلاك المواد المخدرة بعد ان اتضح ان هذه المقاربة مدمرة وغير سليمة ، ولازال المشرعون في تونس يتمسكون ويدافعون عن قانون يعتمد على العقوبات السالبة للحرية في قضايا استهلاك المخدرات، التي قد تصل عقوبتها الى حكم بـ30 سنة . حكم لا يستوجب الاستغراب وكما هو الامر في ذهاب قضاة الى تطبيق القانون كما ورد حرفيا دون محاولة الاجتهاد لتخفيف الحكم. طالما ان الجميع مقيد بنص قانوني يرفض المشرعون النظر فيه من منظور اخلاقوي.

قانون بموجبه يودع ألاف التونسيين السجن في احكام تتراوح بين السنة والخمس سنوات لاستهلاكهم مادة القنب الهندي، هذا القانون عدد 52 لسنة 92 ليس إلاّ نصا قيدت به الدولة وحطمت امال ومستقبل شبابها لان المشرع يومها اعتبر ان استهلاك المواد المخدرة جريمة بحد ذاته، وهو ما يتوجب العقاب الشديد الرادع والزجري على امل ان يقع القضاء على الظاهرة.

طوال 30 سنة كان هذا القانون احد ادواة الهيمنة التي اعتمدتها النظام السياسي الدكتاتوري الذي نجح في النهاية في ان يجعل اجهزة الدولة تستبطن هذه القيم الاخلاقوية وتصبح من حراسها ومنهم الجسم القضائي الذي تشبع بهذه المقاربة الاخلاقية هو ايضا ويعتبر ان استهلاك المادة المخدرة جريمة.
الجريمة الفعلية هنا هي الاستمرار في تجاهل ما يحدث حولنا وكيف ان الدولة تقحم نفسها في المجالات الفردية والخاصة بمواطنيها وتدفع بهم الى الهامش وتقصيهم وان هذا -في النهاية- ينجم عنه «انفجار» في وجه الدولة واجهزتها، ان الجريمة الفعلية هنا هي تجاهل كل التجارب المقارنة التي انتقلت من معالجة الاستهلاك كجريمة الى التعامل معه كإدمان لا يعاقب صاحبه بالسجن ولا بالتهميش.

الجريمة هي ان يصدر حكم بالسجن ضد من ذنبه الوحيد أنه استهلك مادة مخدرة- وهذا ليس تشجعيا على الاستهلاك- بل دعوة للدولة ونخبها السياسية إلى أن تتوقف عن تجاهل وتاجيل اصلاح الترسانة القانونية والانطلاق بالقوانين المقيدة للحريات الفردية وفي علاقتها بمواطنيها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا