يطرحها الاتحاد العام التونسي للشغل وأحزاب عديدة: حوار وطني ، نعم .. ولكن لماذا ؟

منذ أشهر عديدة طرحت أطراف سياسية عدة (مشروع تونس والحركة الديمقراطية والآن أمل تونس وحركة الشعب والتيار الديمقراطي...)

ويضاف إليها اليوم رقم هام وهو الاتحاد العام التونسي للشغل، ضرورة احتضان رئاسة الجمهورية لحوار وطني يضم أهم الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين للتباحث في سبل إنقاذ البلاد وإخراجها من أزماتها المتراكمة والمتفاقمة ..
والسؤال البديهي هنا هو : لماذا ندعو لإيجاد إطار لم يفترضه الدستور لحلّ مشاكل البلاد في حين أن لدينا مؤسسات منتخبة (رئيس الجمهورية والبرلمان ومكونات من السلطة المحلية ) مناط بعهدتها – نظريا على الأقل – حل مشاكل البلاد؟ فهل يعود هذا لرفض مُقنّع لنتائج الانتخابات، أم أن الأمر يتجاوز كثيرا الحسابات السياسوية حتى وإن وجدت ؟
لا يختلف عاقلان في تونس في أن مشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية والتنموية بشكل عام بصدد التضافر والتعقد وأن كل الحكومات ،رغم الجهود المبذولة ،لم تتمكن من وضع البلاد على السكة الصحيحة ولم نتقدم في درب الإصلاحات الكبرى التي تفترضها البلاد لا فقط لحل المشاكل الآنية ولكن أيضا لاستباق الأزمات القادمة ولتوفير المناعة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ..
تتعدد الأسباب وقد تتنسب المسؤوليات ولكن الواضح أن الطبقة السياسية الحاكمة لم تتمكن من القيادة الايجابية للبلاد وان تونس لن تخرج من أزماتها هذه بنفس الطرق والآليات التي جرّبت فلم تصحّ.
من هذه الزاوية تكون هنالك وجاهة كبرى للدعوة لحوار وطني شامل يقف عند أهم هذه المعيقات ..
ولكن هل يكفي هذا التشخيص الأولي لضمان نجاح حوار وطني لإنقاذ البلاد ؟
يبدو لنا أن هنالك شرطا أساسيا لم يتوفر بعد ، وهو بداية تقارب الحلول عند اهمم الفاعلين على الساحة ، فدون هذا الشرط الفكري السياسي لا من فائدة تذكر للبلاد من حوار وطني كهذا ..
لا نعتقد انه بالإمكان محاكاة تجربة الحوار الوطني لسنة 2013 فالدواعي مختلفة تماما والمرتقب من الحوار كذلك ، فنحن لا نبحث أساسا عن تخلّ جزئي أو كلي لمنظومة الحكم الحالية (كما كان الحال سنة 2013) بل إلى بلورة تصور مشترك يترجم في سياسات عمومية تكون قادرة على دفع البلاد في اتجاه ايجابي ووفق مقبولية شعبية واسعة تتضامن فيها الشرعية الانتخابية مع الشرعية التشاركية ،وهذا يفترض أن كل فاعل اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي على حدة قد قام بجهد فردي من اجل رسم ملامح المشترك الوطني الممكن ..
لنأخذ مثالا على ذلك : المديونية العمومية للدولة ..
نعلم جميعا أن الدولة التونسية محتاجة من اليوم إلى موفى السنة القادمة لحوالي 30 مليار دينار ، الثلث لإتمام السنة الجارية والثلثان لسنة 2021.
وسيكون حتما السؤال التالي أحد أهم محاور الحوار الوطني المفترض : كيف نضع حدّا لنزيف المديونية العمومية ؟ أي كيف نقلص من مصاريف الدولة وكيف نزيد أيضا في مواردها بشكل يسمح بالحد المستدام من مديونيتها ؟
عندما ننظر إلى مختلف الأجوبة عن هذا السؤال المفصلي عند أهم الفاعلين في البلاد لا نكاد نجد الأرضية الدنيا لبداية سياسية عمومية موحدة ، بل لا نجد اقتراحات مدروسة ومرقمة من قبل أي كان بل أرقام تلقى على عواهنها وتقديرات عامة لحجم التهرب الضريبي أو التهريب فقط لا غير .. ثم هل أن جمع كل هؤلاء الفرقاء لأيام أو لأسابيع كفيل بتوحيد المواقف والرؤى حول منطقة مشتركة كفيلة بإيجاد حلّ عملي يلتزم به الجميع ؟ أم أننا نرى نفس المزايدات والكفاءات التي من اجلها نريد إرساء هذا الحور الوطني ..
ومثل هذا يقال في إصلاح منظومة الدعم وفلسفة التنمية الجهوية والمؤسسات العمومية وإصلاح المنظومة التربوية ..
ما يخشى في الحالة الذهنية السياسية هذه أن نحولّ الحوار الوطني فقط إلى مسالة يقصد من ورائها – سحب الشرعية عن هذا الطرف أو ذاك أو استعراض العضلات أمام شاشات الكاميرا ..
ولكن لو اقتنع كل طرف بأنه لا يملك الحقيقة وانه مطالب بتقديم حلول عملية ممكنة التطبيق وفق الاكراهات المحلية والعالمية وأن دعم قواعد العيش المشترك أفضل له من إظهار تفوقه على الجميع .. لو حصل هذا التحول عند الجميع وأننا قد نختلف ونتخاصم في الوطن ولكن لا نتعادى أو نستعدي عليه فحينها قد نكون وفرنا المناخ النفسي للخروج الفعلي من الأزمة للقيام بالتنازلات المتبادلة من اجل مصلحة البلاد ..
العقل يدفع لهذا بقوة .. ولكن لهذا ينبغي أن يكون شعار الحوار الوطني : لا يدخلن علينا من لم يكن العقل إمامه ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا