عودة اقتصادية واجتماعية وصحية وسياسية صعبة للغاية !

جرت العادة أن نتحدث في نهايات شهر سبتمبر من كل عام عن العودة السياسية والاجتماعية اعتبارا لفترة العطلة الصيفية،

وأن السنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفعلية لا تبدأ من غرة جانفي بل في هذه الفترة من كل عام بعد أن ركن كل «المحاربين» إلى استراحة الشواطئ والعطلة والأعراس ..
في تونس لم تعرف سنواتنا العشر هذه عطلة فعلية بل استمرت كل صراعات السنة السياسية والاجتماعية المنقضية خلال موسم الصيف بما يعطينا انطباعا جماعيا بالإرهاق إذ لم نعد نتذوق فعلا عطلنا المختلفة ..
ولكن يظل النصف الثاني من شهر سبتمبر محتلا لموقع خاص إذ نرى فيه بواكير الصراعات والرهانات المستمرة أو المتجددة للسنة القادمة.
كل المؤشرات تفيد بأننا إزاء سنة صعبة للغاية بدءا بالتفشي السريع والخطير لجائحة الكورونا خلال هذه الأسابيع الأخيرة، تفشّ يُخشى منه لو استمر على نفس هذا النسق على امتداد الأسابيع القادمة أن يضع منظومتنا الصحية أمام امتحان قد لا تقدر على تجاوزه..ولكننا هنا في باب التقديرات التي قد تخطئ وقد تصيب كما أن إمكانية وجود لقاح في الأشهر الأولى للسنة القادمة قد يسمح لبلادنا وللبشرية قاطبة بتجاوز معقول لمخلفات هذه الجائحة ..

أما المعطيات الاقتصادية والاجتماعية الصلبة فهي الأخطر على الإطلاق.. فتونس ستشهد انكماشا اقتصاديا غير مسبوق يقدره الخبراء المحليون والأجانب في حدود %7 سلبي على الأقل وقد يكون أخطر من ذلك بنقطة أو نقطتين مع بطالة إضافية دائمة قد تتجاوز مائتي ألف شخص ..
هذا هو التحدي الأخطر الذي يهدد بلادنا هذه السنة ولا نعرف إلى حدّ الآن ماهي حقيقة السياسات العمومية التي ستعتمد عليها الدولة لمحاولة احتواء هذا التسونامي المتدفق على نسيجنا الاقتصادي الذي أُرهِقَ كثيرا خلال هذه العشرية وتوازناتنا الاجتماعية الهشة للغاية.
ولكن التحديات الاقتصادية والاجتماعية الضخمة لا تقف عند هذا الحدّ فالدولة اليوم أمام تحد قديم متجدد يتمثل في تمكن مجموعات من المحتجين من إيقاف إنتاج الفسفاط والنفط، دولة تعهد كبار المسؤولين فيها بوضع حدّ لهذا النزيف واعتبار هذه المسائل مرتبطة بـ«الأمن القومي» وأنه «لا مجال» لوقف إنتاج ثروة البلاد ولكن لا نرى، إلى اليوم،مؤشرات حلّ جدي ودائم لا في الحوض المنجمي بقفصة ولا في الكامور بتطاوين.
وما يخشى من استمرار هذه الحالة هو تحول هذه الأزمة من صراع المحتجين مع الدولة إلى صراعات بين فئات مختلفة من التونسيين ستتضرر مباشرة بتوقف الإنتاج وما ينتج عنه من بطالة إضافية للآلاف ومثلها أو أكثر من مواطن الشغل والرزق غير المباشرة..ماذا ستفعل الدولة إزاء هذا التحدي المستمر لسلطتها ولقدرتها على إنفاذ القانون؟ وهل ستعالج هذه القضية موحدة الصف أم سيسعى كل جناح في الدولة إلى التكسب السياسي من هذه الأزمة المستعصية إلى حدّ الآن ؟

تركنا عمدا العودة السياسية ورهاناتها الحزبية في المرتبة الأخيرة لأننا نعتقد أن الأساسي لا يكمن فيها ولأن مسحتها الفلكلورية والتي ستطغى حتما على سطح الأحداث إنما هي كالزبد الذي يذهب جفاء لأنه لا نفع فيه مطلقا للناس ..
أهم ما في العودة السياسية لا يكمن في الصراعات المنتظرة بين الأحزاب تحت قبة البرلمان أو خارجها ، بل في الصراعات بين مختلف أجنحة السلطة وفي التطورات السلبية المنتظرة بين راسي السلطة التنفيذية ، فكل شيء يدل على أننا سنشهد وبصفة مبكرة بين قيس سعيد وهشام المشيشي ما شاهدناه بين المغفور له الباجي قائد السبسي ويوسف الشاهد ولكن ربّما بصفة تراجيدية أقوى إذ لا يتصور أحد أن يتصرف قيس سعيد كما تصرف الباجي قائد السبسي اي انه لن يبقى مكتوف الأيدي وفي موقع المتفرج العاجز على محاولات عزله سياسيا وسحب البساط من تحت قدميه مؤسساتيا ..
فالصراع الذي انطلق حتى قبل نيل حكومة المشيشي الثقة بين صاحبي قرطاج والقصبة سيكون تأثيره على سير مؤسسات الدولة أشدّ ووقعه أنكى على الوحدة الهشة لمجتمعنا .
وفي العودة السياسية -أيضا- هنالك رهان هام جدّا داخل حركة النهضة حول رغبة أنصار الغنوشي في منح ولاية ثالثة لـ«الشيخ» على عكس ما يفرضه النظام الداخلي للحركة الإسلامية ، وحسب ما سيفرزه المؤتمر القادم لحركة النهضة (أواخر 2020 ؟)ومآلات موقع رئيسها ومؤسسها داخل حزبه وخارجه أساسا (رئاسة البرلمان) ستتغير أشياء كثيرة في تونس السياسية خلال هذه السنة الحالية ..

في الأثناء يشتد عود الحزب الدستوري الحر يوما بعد آخر ليكون طرفا أساسيا في المعادلة السياسية ،وسيسعى هذا الحزب حتما للاستفادة من الصراع المفتوح بين القصر والحركة الإسلامية ليقدم نفسه كالبديل الوحيد الممكن لكامل منظومة ما بعد 14 جانفي ..
لا ينبغي أن ننسى دخول فاعل سياسي جديد غير منتظر وغير متوقع وهو هشام المشيشي رئيس الحكومة إذ سيكون لاعبا أساسيا في هذه السنة الصعبة للغاية وهو الآن يملك من الخيوط ما لا يملكه أحد فكيف سيتصرف في هذا الرصيد الهائل الذي توفره السلطة الفعلية لكل ماسك بها ؟
الإجابة عن هذا السؤال ستمثل أحد المفاتيح الأساسية لهذه السنة العصيبة على البلاد ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا