في التصدي الفكري للإرهاب الجهادي السلفي المعولم: خطاب ديني «معتدل» أم معرفة مستنيرة بالدين ؟

هنالك إجماع وطني ودولي حول فكرة أساسية : التصدي للإرهاب لا يمكن أن يكون أمنيا فقط، رغم ضرورة وأساسية المعالجة الأمنية

لهذه الظاهرة الإجرامية ، فإن التصدي للإرهاب ينبغي أن يكون كذلك فكريا بتفكيك الخطاب الإرهابي وبتوفير أفق فكري بديل يحدّ إلى الأقصى من الانجذاب إلى الأفكار التكفيرية .
وهنا نكاد نكرر جميعا المقولة التالية : لمقاومة الإرهاب لابد من تطوير خطاب ديني «معتدل» أي خطاب يقوم - تونسيا - على الإرث الزيتوني المالكي مع التجديد الضروري الذي تفرضه تحولات الحداثة الأساسية.. ولكن هذه المقولة لم تختبر بما فيه الكفاية ولم نتأكد بعد من تحقق شروط إمكانها ..
باختصار شديد يمكن أن نقول أن هنالك ثلاث خطابات دينية اليوم في تونس وفي العالمين العربي والإسلامي باستثناء الخطاب السلفي التكفيري ..خطاب الإسلام التقليدي أي خطاب المؤسسة الدينية الرسمية وخطاب الإسلام السياسي بفروعه والخطاب الذي ينتجه مثقفون وباحثون مستنيرون حول الدين ..
والسؤال الأهم هنا : هل يمكن لهذه الخطابات مجتمعة أو متفرقة أن تكون حاسمة في المواجهة الفكرية للإرهاب وفي توفير البديل المنشود للشباب الذي قد يستهويه الفكر التكفيري ؟
لا ينبغي أن يكون المرء مختصا في علم الاجتماع ليدرك أن الخطاب ، كل خطاب ، لا ينقطع جدليا عن محيطه الاجتماعي بالمعنى الواسع للكلمة بداية من تشكله وتكوينه وصولا إلى تأثيره المفترض..
إن انتشار الخطاب التكفيري يعكس حجم القطيعة بين الخطاب الديني الرسمي ، خطاب السلطة السياسية ، وبين النزوع الراديكالي الإيديولوجي عند أجزاء من الشباب .. وعليه بإمكان هذا الخطاب أن يتطور كما يشاء ولكنه لن يصل إلى هذه الفئات الاجتماعية والجيلية فهي ترفضه مجملا ومفصلا وتعتبر المشائخ الرسميين علماء السلطة (أي الطاغوت في قاموسهم) علماء «يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض».
اما الخطاب الذي ينتجه المثقفون والباحثون الأكاديميون المستنيرون حول الدين فهو خطاب نخب «علمانية» لا يمكنه ان يجد طريقه إلى السواد الأعظم من هؤلاء الشباب وإذ يكفيهم وصمه بالعلمانية حتى تنقطع سبل الحوار والتواصل رغم ما في هذا الخطاب العقلاني المستنير من فوائد جمة ومن إجابات عديدة للشباب.
قد يعتقد بعضهم أن خطاب الإسلام السياسي هو الأقدر على المقاومة بدءا لأنه يشترك مع الخطاب السلفي الجهادي المعولم في بعض المقدمات وثانيا لأنه يخاطب هؤلاء الشباب من داخل المنظومة الفكرية التي يتبنوها، قد يكون قادرا على مجادلة أعمق وإقناع أفضل ..
لقد سقط الكثيرون في هذا الوهم بما في ذلك بعض الدول الكبرى التي راهنت على الإسلام السياسي «المعتدل» لمحاصرة التيارات التكفيرية والحد من تأثيرها ولكن النتيجة في تونس وفي غيرها كانت عكسية تماما بدءا لأننا نستهين بالترسانة الحجاجية للتيارات التكفيرية وثانيا لأن الإجابة السلفية الجهادية أكثر تناسقا وانسجاما من الخطاب الاخواني المترنح والمراوح دون استقرار بين سلفية «لايت» وانتهازية سياسية مبنية على التكتيك وتقدير موازين القوى لا على المبادئ الايديولوجية الصلبة والنقية.
ما العمل اذن ؟
بداية الحل تكمن في إدراك حدود وأوهام المواجهة التقليدية : خطاب ديني «معتدل» مقابل التطرف التكفيري وان الفكر الذي نحتاجه لمواجهة الحركات التكفيرية لا يمكن أن يُحصر فقط في خانة «الخطاب الديني» وذلك أيا كانت الصفة التي نلحقها بهذا الخطاب .. والفكر هنا ليس بالضرورة تلك النظريات المذهبية المعقدة التي لا تتاح إلا لأهل الاختصاص أو بالشأن الثقافي عامة ..فالفكر المفتوح هو مزيج من هذا ومن معارف شتى متنوعة أقل تعقيدا وأكثر التصاقا بسياقات الحياة اليومية.
لاشك أن تفكيك الخطاب التكفيري يحتاج إلى معارف تراثية وعصرية وخاصة إلى القدرة على فهم آليات الخطاب ورصد مواطن ضعفه وتهافته إما بصفة كلية أو بمعطيات ومعلومات جزئية تجعل للشك مسارب في الذهنيات المنجذبة للتيارات التكفيرية وألا يكون هذا الفكر التفكيكي من إنتاج السلطة السياسية أو المؤسسة الدينية الرسمية لأنه يفقد وجاهته منذ البداية.
نحن نحتاج إلى انتاج معرفة حول الدين وتاريخه العقائدي والفكري والسياسي والعلاقة بينه وبين الموروث الثقافي وتاريخ الأفكار والتيارات المعاصرة تونسيا وعربيا وإسلاميا ونحتاج كذلك إلى معرفة علمية بالتيارات التكفيرية وآفاقها الفكرية وممارساتها الدموية واستراتيجيات الاستقطاب والتأثير وأن تكون خلاصات كل هذه المعارف متوفرة لعامة المتعلمين والشباب عبر مناهج التعليم والمواد الثقافية في مختلف وسائل الإعلام والإبداعات في مختلف الفنون والآداب وان يلجها الناشطون في المجتمع المدني وان تقام حولها الندوات والمسامرات في الأحياء الشعبية ..
نحن نحتاج إلى كل هذا بدءا بالمعارف النظرية العميقة وصولا إلى التعبيرات الفنية الشبابية في إطار مفتوح غير منغلق ويصل إلى كل أحياء ومدن وقرى البلاد ..
صحيح أننا أمام مشروع ضخم لا يمكن إنجازه في سنتين أو ثلاث ولكن من يعتقد أن تحرير العقول من الكوابيس الدموية ومن التطرف العنيف عملية سهلة يكون قد اخطأ الطريق منذ البداية ..
الإشكال ليس في طول الطريق وصعابها بل في الانطلاق الفعلي في السير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا