وماذا عن الحياة بعد «الحرب» على الكورونا؟؟

سوف لن نسأم من تكرار فرحنا وفرح كل التونسيين أن بلادنا قد تتجاوز الأزمة (الأولى؟) لوباء الكورونا المستجد بأقل وأخف الأضرار

وأن كل ما كنا نخشاه لم يحصل من وفايات بالعشرات يوميا ومن انهيار منظومتنا الصحية الهشة أمام جحافل من المرضى لا قبل لها، بهم.

ونحن لا نريد أن نبخس بلادنا (من سلطة سياسية ومنظومة طبية ورأي عام ومنظمات وأحزاب...) حقها ونصيبها في هذا النجاح من اعلانها الحجر الصحي العام منذ البداية ولكن التواضع يفرض علينا الإقرار بأن النتائج الحاصلة اليوم لا تفسر فقط بفاعلية السياسات العمومية ولكن أيضا بنوع من تراجع حدّة العدوى لأسباب يقول العلماء أنهم لا يملكون تحديدها اليوم بكل دقة. ولكن، ومهما كانت الأسباب، كل المؤشرات تدل اليوم على أن الأزمة الصحية هي وراءنا على الأقل في هذه المرحلة وأن اليقظة مطلوبة من الجميع وخاصة التباعد الاجتماعي والحرص على التعقيم والنظام مع لبس اللثام وخاصة في الفضاءات العامة.

ولكن ما لا نفهمه هو بقاء الحكومة ذهنيا في مرحلة ما قبل الانفراج والتصرف في خطابها وكأن البلاد مازالت مهددة بصفة جدية بينما لجأت كل البلدان والتي تمثل فيها الاصابات الحالية مئات أضعاف ما يحصل عندنا إلى اعتبار أن الأزمة الصحية وراءها وبدأت منذ مدة تستعد بكل جدية لمخلفاتها الاقتصادية والاجتماعية وللعودة التدريجية إلى الحياة الاجتماعية وإن كان ذلك بشروط صحية مختلفة.

لا نفهم ذهنية محاولة البقاء في منطقة الخطر الصحي عند رأس السلطة التنفيذية خاصة وأن أرقامنا الرسمية تفيد عكس ذلك تماما.
يكفي أن نقارن الأرقام الرسمية بين يومي 5 ماي و 19 ماي، أي الأسبوعين الأولين لمرحلة الحجر الصحي الموجه لنلاحظ أن كل المؤشرات قد أصبحت خضراء كما يبينه الجدول التالي.

أي أن حوالي 17٫000 تحليلا اضافيا خلال هذين الأسبوعين لم تكشف إلا على 19 حالة جديدة فقط وتماثل 235 من حاملي الفيروس آخرين للشفاء التام ليصبح عددهم الاجمالي 826 ولم يبق سوى 171 تونسي حاملين للفيروس منهم ثلاثة فقط في المستشفيات بعدما كان عددهم في حدود 55 كما لم تسجل سوى 4 وفايات جديدة خلال كامل فترة الحجر الصحي الموجه هذه.

هل يعني هذا أن العدوى أصبحت نهائيا وراءنا؟ لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال ولذلك ينبغي دوما على السلط السياسية والطبية وعلى سائر المواطنين ملازمة الحذر واتباع اجراءات التباعد الجسدي اليوم وغدا ولكن لا يمكن أن يكون خطابنا وكأننا أسوأ من وضعية أوروبا أو حتى جيراننا في افريقيا!! لابد أن يخرج السياسي اليوم من دائرة خطاب «الحرب» ضد الكورونا إلى خطاب اليقظة وترشيد سلوكيات المواطنين وأن ننطلق في العمل بكل جدية في الانقاذ والتفكير في أساليب وأشكال ومناهج اعادة المنظومات الاقتصادية والاجتماعية إلى الاشتغال بأقصى الطاقة.

لا يطالب أحد حكومة الفخفاخ بالمعجزات فوضع البلاد كان سيئا قبل مجيئها وازداد سوءا بحكم اكراهات هذه الجائحة وقرار الحجر الصحي الشامل والذي لا يناقش في جدواه أحد، على الأقل في ظروف ومناخات وما كنا نعلم وما لا نعلم ابان اتخاذ هذا القرار.

كما لا نعتقد أنه من الحكمة مطالبة حكومة الفخفاخ بما لا طاقة لها به أي المحافظة على كل مواطن اشغل والقدرة الشرائية لكل المواطنين وعلى كل المكاسب الحالية لمختلف أصناف التونسيين فهذه الأزمة ستكلفنا انكماشا اقتصاديا لا مثيل له يقدره صندوق النقد الدولي بنمو سلبي بـ 4،3 ٪ ولكن بعض الخبراء التونسيين وبالاعتماد على آخر التحيينات يخشون من تراجع قد يتجاوز حتى 7 ٪ كنسبة نمو سلبية وهذا يعني تراجعا في موارد الدولة بالاضافة إلى الانفاق العمومي الضروري لاعانة الفئات الهشة والمهن الأكثر تضررا من هذه الأزمة.

نطلب فقط من حكومة الفخفاخ توصيفا دقيقا ومرقما - بصفة أولية على الأقل - لكلفة هذه الأزمة وللقرارات الأساسية التي ستلجأ إليها الحكومة فيما تبقى من سنة 2020 والملامح المرقمة الأولى لسنة 2021.
إن القول بأن الحكومة لن تلجأ الى الاقتراض لا يثبت أمام امتحان الواقع، بل لقد لجأت الحكومة إلى الاقتراض فعلا وستزيد في اللجوء الى الاقتراض ولا نعتقد أنه بامكانها فعل غير ذلك وذلك مهما كانت قراراتها التقشفية والحدّ من الاستثمارات العمومية المبرمجة لهذه السنة.

نحن نعتقد أن الياس الفخفاخ يعلم قبل غيره أن كل الاصلاحات التي يعتزم الاقدام عليها لن تغير بصفة ملموسة في توازنات المالية العمومية لهذه السنة أو للتي تليها خاصة وأن بعضها غير مضمون النتائج كمسألة إيجاد حلّ نهائي لأزمة الحوض المنجمي. الحلّ في الحقيقة لا يخرج عن ثلاث:

- المزيد من التداين

- فرض ضرائب جديدة

- التفريط الكلي أو الجزئي في بعض المؤسسات العمومية وفي مساهمات الدولة في شركات تنتمي اليوم قانونا إلى القطاع الخاص.

ولعل الحلّ الأمثل هو في معادلة ومزاوجة بين هذه المتاحات الثلاثة في انتظار أن تأتي الاصلاحات الضرورية للدولة وللبلاد بثمارها الأولى.

ما نطالب به الياس الفخفاخ هو مصارحتنا بخطته لهذه السنة دون انشائيات وترديد شعارات كل سابقيه، وذلك حتى نتمكن جميعا من نقاش وطني حولها وحول وجاهتها وحول متاحات أخرى قد غابت، ربما، عن أنظار الحكومة...
هذا هو الخطاب الذي ننتظره اليوم لا التمترس المستمر داخل السجن النفسي للـ«حرب» على الكورونا أملا - ربما - في استمرارية الاجماع حول العمل الحكومي من «حرب» الكورونا إلى مواجهة جديدة لمخلفاتها الاقتصادية والاجتماعية...
هذا الاجماع الذي ينشده الياس الفخفاخ هو كالخلّ الودود الذي ليس له وجود...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا