أمريكا مع إيران وتركيا في ليبيا: عالـم تعدد الأقطاب والحروب الجديدة

سنوات قليلة بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي وما كان يسمـــى آنذاك بالعالم ثنائي القطبية (monde bipolaire) أصبح المحللـــــون الإستراتيجيون

يتحدثون عن عالم متعدد الأقطاب (monde multipolaire) عالم مازالت فيه الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الأولى اقتصاديا وماليا وعلميا وعسكريا، ولكنها قوة في تراجع نسبي أمام صعود مجموعة من الدول أضحت تلعب دورا اقتصاديا وعلميا وعسكريا متعاظما أولها كانت الصين والهند وروسيا وريثة الاتحاد السوفياتي والبرازيل وأضيفت اليها جنوب إفريقيا في ما عرف بالبريكس (BRICS) ثم صعدت قوى أخرى تريد بدورها أن تلعب أدوارا اقتصادية وعسكرية إقليمية كإيران وتركيا بينما اكتفت دول أخرى مهمة فقط بالدور الاقتصادي المرتكز على قوة صناعية وعلمية كاليابان وكوريا الجنوبية وهو حلم العديد من الدول الوسطى كاندونيسيا ونيجريا على سبيل الذكر لا الحصر..

ما يجري هذه الأيام من دق طبول الحرب بين أمريكا وإيران واستعداد تركيا للتدخل العسكري في ليبيا يدخل في هذه الاستراتجيات الجديدة لتوازن الرعب بين مختلف أقطاب عالم اليوم..

ولعله من المفيد ألا نقف فقط على سطح أحداث اليوم لنرى كيف تمكنت بلاد كإيران من الاستفادة القصوى من التراجع النسبي للدور العسكري للولايات المتحدة الأمريكية.. فأمريكا التي شنت حربا على عراق صدام حسين في 2003 بتعلات واهية تجد نفسها ورغم حضورها العسكري الضخم في المنطقة قد «أهدت» العراق إلى عدوها اللدود إيران.. ونضيف إلى ذلك أن الدول الغربية والعربية التي أرادت أن تستغل انتفاضة الشعب السوري منذ سنة 2011 للإطاحة العسكرية بنظام بشار الأسد قد وفرت فرصة استثنائية لروسيا للعودة إلى المحاور الإقليمية فانقلبت الموازين العسكرية بفضل روسيا وإيران وميليشيات حزب الله..

فرغم الحصار الاقتصادي المفروض على إيران ورغم الصعوبات الجديّة التي يعيشها الإيرانيون جراء ذلك إلا أن الدولة الإيرانية قد تمكنت من إيجاد قوة عسكرية هامة وحلفاء إقليميين لديهم تأثير كبير على مجريات الأمور في الشرق الأوسط ونقصد بهم حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي وجماعة الحوثي في اليمن والنظام السوري، كما أن إيران ورغم تناقض مصالحها الإقليمية مع تركيا إلا أنها عرفت كيف تحافظ على علاقات ودية مع الجار القوي حتى لا تتشتت جهودها العسكرية وهي الآن تستنزف أعداءها التقليديين في اليمن في حرب أرادت لها السعودية أن تكون خاطفة فإذا بها تدخل عامها الخامس.

تركيا بدورها أصبحت تلعب دورا اقتصاديا وعسكريا متعاضما وهي لم تعد تكتفي بالتدخل على مستوى حدودها وضد عدوها التاريخي الأكراد وامتداداتهم في الدول المجاورة وخاصة العراق وسوريا بل نراها اليوم تريد أن تتقمص دورا إقليميا يتجاوز حدودها المباشرة وهي تريد أن تلعب في ليبيا مع السراج الدور الذي لعبته روسيا في سوريا مع بشار الأسد أي تدخل عسكري يقلب الموازين على الأرض ويفرض حلا سياسيا جديدا تكون الدولة الداعمة عسكريا المستفيد الأبرز منه سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا..

وغير خفي على أحد أنه لا يمكن بناء قوة عسكرية إقليمية بالرغبة فقط إذ لابد أن يسبق هذا إما نهضة علمية وتفوق تكنولوجي كما هو الحال في إيران أو قوة اقتصادية وصناعية وما ينجر عن ذلك من إمكانيات مالية هائلة كما هو الحال في تركيا اليوم..

ونحن هنا إزاء قوتين جهوتين مختلفتين في التموقع الجيو استراتيجي فالأولى، إيران، تعتبر عدوة لأمريكا وللدول الغربية بدرجة اقل اما الثانية فهي عضو في الحلف الأطلسي ولكنها خرجت بصفة واضحة عن لعب دور الوكالة إلى التصرف كقوة إقليمية صاعدة لها مصالحها الخاصة ولا تنتظر إذنا من أحد استعمال القوة ضد من يهدد، حسب رأيها، هذه المصالح الإستراتيجية..

الأولى تعتمد على امتداد ديني طبيعي في ما يعرف بالهلال الشيعي ولكنها تربط مع ذلك علاقات إستراتيجية مع دول عظمى قوية كروسيا والصين والثانية تعتمد على امتدادها التركماني من جهة وعربيا على قوى الإسلام السياسي من جهة أخرى ومع عقد تحالفات هي الأخرى مع الدول الكبرى الخارجة عن السيطرة الأمريكية..

لسنا ندري هل سنكون فعلا، أمام حرب عالمية ثالثة تنطلق من الشرق الأوسط بين إيران وأمريكيا وان كان هذا الاحتمال ضعيفا للغاية إلى حد اليوم رغم الحشد المتبادل إثر اغتيال الجنرال السليماني، ولكننا قد نكون أمام تصعيد عسكري نسبي تكون نتيجته انسحاب شبه نهائي للقوات الأمريكية من العراق، أما في التدخل التركي في ليبيا

فتبقى كل السيناريوهات مفتوحة والأرجح منها هو إحداث توازن رعب ما بين جماعة حفتر من جهة وجماعة السراج من أجل إيجاد حل سياسي وسط أما حرب دائمة ومكلفة فذلك ما لا نعتقد أن أطراف النزاع وداعميها يملكونها بصفة كبيرة..

ويبقى احتمال طول نزاع عسكري سياسي بذروات مختلفة وهذا وارد للغاية إلى حد إضعاف قوي لطرف ما..

العالم بصدد التحول السريع بفعل صعود هذه القوى الإقليمية الجديدة والتي لا تقصر صراعها مع أمريكيا وحلفائها على المجالات الاقتصادية والعلمية والمالية كما هو حال الصين مثلا، بل تريد أيضا أن تنافسها عسكريا بصفة محدودة وفي أقاليم بذاتها..

ولكن بالطبع ما يحدث في ليبيا خاصة مع سيناريو نزاع مستمر يخفت حينا ويقوى أحيانا مضر بصفة كبيرة بالمصالح الحيوية لبلادنا..

والسؤال اليوم هل أن قادتنا واعون تمام الوعي بهذه التحديات الجديدة وبالمخاطر التي تحملها إقليميا ووطنيا وهل بدأنا نفكر في تحصين بلادنا وفي ربط العلاقات والتحالفات التي تحمي مصالحنا أم لا ؟

ذلك هو السؤال..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا