استعادة مناخات 2012 ؟ !

الهدوء النسبي الذي عقب الانتخابات التشريعية ما كان ليستمر، فمكونات الاحتقان الشديد موجودة كلها بثوابتها أولا (حركة النهضة واتحاد الشغل)

ومتغيراتها (ائتلاف الكرامة والدستوري الحر ) وكان يكفي فقط إيجاد القادح ليعود اللهيب إلى الجمرات التي غمرها الرماد إلى حين..

لسنا أمام معركة واحدة بل معركتين مختلفتين وإن اشتملت ساحتا الوغى على نفس الطرف (النهضة وزوائدها الدودية على حدّ عبارة الأمين العام لاتحاد الشغل) ولكن ما بين دوافع اتحاد الشغل والحزب الدستوري الحر بون شاسع فتزامن المعركتين لا يعني البتة انصهارهما أو تحالف خصمي النهضة فيها..النهضة والزمن فقط هما العنصران المشتركان بما يعطينا مشهدية موحدة.

عودة النهضة إلى الحكم،ولو بشكل مختلف عن 2011، يثير لوحده ردود فعل حادة عند كل المتخوفين من مشروع الإسلام السياسي رغم فتوره النسبي ورغم مرور خماسية كاملة خفت فيها هذا الصراع كثيرا ..

يثير يوم 4 ديسمبر في الذاكرة لدى التونسيين مشاهد مرعبة حيث عمدت ميليشيات روابط حماية الثورة في ذكرى اغتيال الشهيد فرحات حشاد وقبل سبع سنوات مضت الى الهجوم على المقر المركزي لاتحاد الشغل قصد افتكاك ما كان يعتقد- عن صواب- بأنه القلعة الأخيرة للصمود أمام المشروع الاسلاموي المتغطرس لحركة النهضة آنذاك وهي مزهوة بالحكم وبالتفويض الشعبي النسبي لها ..

لقد مثل 4 ديسمبر 2012 منعرجا في تاريخ تونس المعاصر إذ تحطمت في ساحة محمد علي أحلام هذه المليشيات المدعومة بوضوح من قيادات النهضة وحليفها حزب المؤتمر لفرض نوع من الرعب على كل المخالفين لحكام تونس آنذاك.. ومع دخول البلاد في منطقة الخطر الإرهابي الصريح والاغتيالات السياسية التي رافقته «اندثرت» أو تكاد هذه الروابط لأن قيادة النهضة قد رفعت أياديها عنها ثم منيت النهضة وحلفاؤها بهزيمة واضحة في خريف 2014 ولكنها تمسكت بأهداب الحكم مقابل إعلانها المتواصل بسياسة «التوافق» مع المنتصر : نداء تونس ورئيسه المغفور له الباجي قائد السبسي.. وهدأ صراع الهوية خلال الخماسية الفائتة وخلنا جميعا انه لن يعود مجددا وان محور الفرز : مع او ضد الإسلام السياسي، لم يعد هو المحور الرئيسي للحياة السياسية في البلاد ..

ولكن الهزيمة النكراء للمنتصرين في 2014 بكل شقوقهم والتقدم النسبي لحركة النهضة وبروز قوة راديكالية على يمينها : ائتلاف الكرامة الوريث الشرعي لروابط حماية الثورة مع صعود الحزب الدستوري الحر الذي جعل من محاربة «تنظيم الاخوان» شعاره المركزي، كل هذا جعلها نستعيد مناخات 2012 ولكن بشكل مختلف أي بحركة إسلامية في حالة تراجع رغم تقدمها النسبي وفوز زعيمها ومؤسسها برئاسة البرلمان وبمجتمع مدني يبدو وكأنه سئم من النضال وبغياب قوة وسطية صاعدة كما كان حال النداء في 2012، كل ذلك قبل تشكيل الحكومة ومعرفة حصة حركة النهضة منها وماهو الحزام السياسي الذي سيسندها..

لم تكن قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل تخفي منذ سنة على الأقل بأن معركتها القادمة، أي بعد معركتها مع حكومة الشاهد، ستكون حتما مع الحركة الإسلامية وما تمثله من مشروع مجتمعي واجتماعي كذلك رغم نبرة التودد التي تبديها القيادات الأولى للحركة الإسلامية تجاه المركزية النقابية..

ولكن قادح الصراع كان ولاشك التهجمات المتكررة لنواب ائتلاف الكرامة على الاتحاد وقياداته،تهجمات لم تستنكرها بالقوة الكافية حركة النهضة بما قد يوحي بأنها تهجمات بالوكالة مما دفع بقيادة الاتحاد إلى اختيار زمان ومكان إطلاق هجومه التحذيري ضد حركة النهضة –دون أن يسميها- و«زوائدها الدودية» كذلك. ولكن الواضح أن الاتحاد بعد أن حدّد، من جديد، مربع تحركه أراد أن يعبر عن تناقضه مع حركة النهضة لأنه يعتبرها رجعية إيديولوجيا وليبرالية اقتصاديا واجتماعيا وغير سيادوية سياسيا ولكن هذا لا يعني حربا مفتوحة بل تحذيرا قوي اللهجة لحركة النهضة وللحكومة القادمة كذلك..

أما الحزب الدستوري الحر والذي يتموقع كحزب يرفض جملة وتفصيلا الثورة وكل مخرجاتها ومعاد للاسلام السياسي فهو يعتقد انه بذلك سيحصد كل أصوات الرافضين للنهضة ويكون البديل لها في الانتخابات القادمة..

والواضح أن سياسة هذا الحزب هي الاستفزاز المتواصل لحركة النهضة ولحلفائها والسعي للعب دور الضحية داخل مجلس نواب الشعب وخارجه وتصيد كل فرصة لتسجيل نقاط ضد غريمه..

في المقابل يجد الدستوري الحر صورته المعكوسة في حركة النهضة وائتلاف الكرامة : استفزاز باستفزاز ونفي بنفي.

والواضح أن هذه السياسة خطيرة على سير أعمال مجلس نواب الشعب خاصة عندما يدعى إلى البحث عن توافقات واسعة لانتخاب المحكمة الدستورية والهيئات الدستورية..

أول هذه الانحرافات الخطيرة حصلت يوم أول أمس عندما اتهمت النائبة النهضاوية كتلة الدستوري الحر بـ «الكلوشارات والباندية» وأنها تتمنى أن لا تسمع أصواتهم في المجلس وهذا كلام ينفي العملية الديمقراطية وغير لائق تماما فإن ردة الفعل العنصرية لبعض المنتمين للدستوري الحر فضيحة سياسية وأخلاقية لا يمكن بالمرة السكوت عنها.. فالخلافات والصراعات السياسية شيء والنزول إلى الحضيض شيء آخر ..

المناخات السياسية لا تنبئ بخير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا