ويعود الجدل حول منوال التنمية: دولة اجتماعية أم اشتراكية مقنعة ؟

ما قد لا يعلمه البعض أن الحديث عن منوال تنموي جديد في تونس ليس وليد الثورة ولا هو أيضا وليد المعارضة الراديكالية،

فالمطالبة بتغيير المنوال التنموي التونسي أو القول بأن المنوال الحالي قد وصل إلى حدوده القصوى واستنفذ كل أغراضه كان حديث خبراء البنك العالمي في أواسط العشرية الماضية وقد تبنته بعض أوساط الحكم باستحياء تحت شعار «الرفع من القيمة المضافة للاقتصاد الوطني» والمقصود به الرفع النوعي لا فقط الكمي..

بعد الثورة نادت كل القوى السياسية والاجتماعية بضرورة تغيير المنوال التنموي بما في ذلك الحكومات المتعاقبة ولكن ظل هذا الشعار فضفاضا ودون مضمون واضح يضع فيه كل طرف ما يريد.

منذ سنوات قليلة طغى شعار آخر على السطح وبقوة وهو شعار «الدولة الاجتماعية» باعتبارها المضمون الفعلي للمنوال التنموي الجديد المنشود..

والدولة الاجتماعية عند جزء هام من دعاتها اليوم هي مناقضة للدولة الليبرالية ولكن كما تلاحظون ثمة مفهوم محوري قد غاب في النقاش التونسي حول منوال التنمية،كما غاب كذلك في النقاش الكوني حول التنمية البديلة أو الطرق اللارأسمالية للتنمية وهو مفهوم الاشتراكية، الذي كان مهمينا سياسيا وفكريا منذ عقود قليلة خلت.
والمفارقة النظرية اليوم أن لا أحد يدعي بوضوح الانتماء إلى الاشتراكية، بل آن هذا المفهوم قد غاب حتى عند التيارات اليسارية المختلفة واستعيض عنه إما بمعاداة الليبرالية دون تبن صريح لنقيضها الاشتراكي أو بالطريق غير الرأسمالية للتنمية أو بالدولة الاجتماعية كنقيض لليبرالية أيضا..

وكأن هذه التيارات تريد أن تقول بأنها مع إيمانها تقريبا بنفس المبادئ إلا أنها لا تريد تحمل الإرث السياسي والإيديولوجي لما يمكن أن نسميه بالاشتراكية فكرا وتجارب على الأرض ..أي وكأننا أمام اشتراكية ،أو اشتراكيات خجولة تريد أن تدافع عن المضمون دون تبني الإطار النظري العام ..

عندما نعود إلى تونس ونسعى إلى فهم ما يريد قوله بعض دعاة «الدولة الاجتماعية» نجد أنفسنا أمام بعض الأفكار التي كانت سائدة في ما يسمى بالاشتراكية غير الماركسية أو اشتراكيات العالم الثالث أي تحكم الدولة في نصيب هام من الاقتصاد إنتاجا وتوزيعا وحتى بيعا دون الاستناد إلى النظرية الماركسية اللينينية بخلفايتها الفلسفية (الجدلية المادية والجدلية التاريخية) وركائزها السياسية (ديكتاتورية البروليتاريا والمركزية الديمقراطية) أي في نهاية التحليل – كما كان يقول الرفاق القدامى – اشتراكية ممزوجة بالديمقراطية الليبرالية إلى حد تغيير طبيعتها واعترافها – النسبي لا محالة – باقتصاد السوق مع التركيز المشدد على الدور التعديلي للدولة بل الدور الاجتماعي للدولة في إنتاج الخيرات وتوزيعها.

فالدولة الاجتماعية ليست مسألة كمية عند دعاتها، اي الترفيع في نسبة التحويلات الاجتماعية للدولة، بل مسألة كيفية تهم جوهر دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي وتجعل منها لا فقط أداة رئيسية في توزيع الخيرات بل وفي إنتاجها أيضا..والتبرير الأساسي لهذا التمشي واضح: القطاع الخاص لا يبحث إلا عن الربحية إن لم نقل «نهب» الخيرات وقوة العمل وانه غير معني بتنمية البلاد إذ ان همه الوحيد هو تنمية رصيده البنكي فقط لا غير وبالتالي على الدولة الخروج من دورها التنموي التقليدي وهو توفير البنية التحتية وتهيئة مناخات الاستثمار للرأس المال المحلي والأجنبي إلى الدولة المستثمرة والمشغلة كما كان تقريبا وضعها في ستينات القرن الماضي زمن «الاشتراكية الدستورية» ولكن دون النظام السياسي التسلطي القائم على الحزب الواحد والزعيم الواحد .

الإشكال لا يكمن مطلقا في الإجراءات والقرارات، فكم من دولة « ليبرالية» أممت واستثمرت حتى في القطاعات التنافسية ، كما انه لا توجد مطلقا دولة غير اجتماعية بالكلية ولكن الدور الاجتماعي للدولة يختلف من تجربة إلى أخرى، والإشكال هنا هو في المواقف شبه النهائية لكي لا نقول عقائدية كالاتهام المبدئ للقطاع الخاص بأنه مهووس فقط بالربحية وكان الربح هو مسألة سلبية ومذمومة في حد ذاتها وأن الاستثمار الأجنبي هو استعماري في جوهره وينسى هؤلاء أن اكبر اقتصاديات العالم تتهافت من أجل استجلاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة .. ويخفي هذا التصور أيضا قصورا كبيرا في فهم الربط المنطقي بين هيمنة الدولة على الاقتصاد والبيروقراطية والاستبداد والفساد المنجر ضرورة عن هذا وأن للتنافسية الحقيقية دور أساسي في دعم الشفافية وفي الحركية الاجتماعية (المصعد الاجتماعي)..

الإشكال عند بعض دعاة «الدولة الاجتماعية» لا يمكن في إجراء بعينه بل في جملة التصورات الإيديولوجية حول القطاع العام والمبادرة الفردية وحول شرعية الثراء بفعل العمل والإبداع والابتكار.. وان العدالة لا تكمن في المساورة في الفرص بل المساواة في توزيع ثروة نجد صعوبات كبيرة في خلقها..

ولعل المسألة الأهم في هذا النقاش الذي لا يعلن عن كل خلفياته الإيديولوجية هو فقداننا لأفكار جديدة نعيد بها النظر في مسألة المنوال التنموي والانزياح بهذا النقاش الاساسي من إعادة النظر في سلم القيم لاقتصادنا وفي كيفية الارتقاء النوعي بها وفي تصور اندماجي للتنموية لا يضع على الهامش لا فئات ولا جهات ولا أجيال ولا جنس إلى صراع إيديولوجي تجاوزه الزمن لأنه يتسعيد صراعات الستينات دون قدرة على التجاوز وعلى فهم الأسباب العميقة لانهيار الغالبية الساحقة لكل التجارب الاشتراكية في العالم..

التفكير في المنوال التنموي الجديد مسألة حيوية ولكن مقاربتها بعقلية العقود الماضية مضرة بالفكرة ومعيقة للتفكير..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا