أين التونسيّات في «ماراطون» المشاورات؟

توحي المشاورات الحثيثة التي يجريها رئيس الحكومة مع عدد من الفاعلين السياسيين من أجل تشكيل الحكومة بوجود

تصوّر حول مفهوم المشاركة الموسّعة، وبرغبة في تجديد رؤية العمل الحكوميّ. ولكنّ هذا الملمح «الإدماجيّ» يخصّ في الغالب، رجال السياسيّة، ويعطي الانطباع بأنّ السياسة مجال ذكوريّ بامتياز، وأنّ التصوّرات التي تشكّل فنّ تدبير الشأن السياسيّ لا تزال موصولة إلى الفكر الأرسطيّ، وإلى التمثلات المترسّخة في المخيال السياسيّ حول الرجال/النساء، والسياسية. وبالرغم من توّلي فئة من التونسيات مناصب قياديّة في الأحزاب، وتميزّ عدد منهنّ في الشأن الاقتصاديّ أو الثقافي أو... فإنّ رؤيتهنّ تبقى محدودة والتعامل معهنّ يظلّ معبّرا عن تصوّر مفاده أنّ الرجل سياسيّ بـ«الفطرة والطبيعة والسجيّة». أمّا المرأة فإنّها وافدة على عالم السياسيّة بل إنّها متطفّلة على مجال لا يخصّها.

قد نفترض وجود «نيّة» لدى السيّد «الجملي» للاستماع إلى تصوّرات بعض النسوة ولكن سيكون ذلك في مرحلة بعدية، أي بعد أن يستكمل الاتصال مع رجال السياسية ورجال الاقتصاد ورجال القانون و... والتشاور معهم. فتجارب هؤلاء، وحكمتهم ورؤيتهم تبقى هي الأهمّ. ولا غرابة في هذا التمشّي مادامت المسألة مرتبطة بثنائية الأصل/الفرع. فما دام الرجل هو الأصل فإنّه جدير بأن يكون في مركز المشاورات، وتؤخذ مواقفه وتصوّراته وشروطه بعين الاعتبار، ويتقدّم في الصفوف الأمامية للصلاة... ومادامت المرأة هي الفرع ،فينبغي تأخير دورها قياسا على موقعها في الصلاة ، أي في الصفوف الأخيرة لأنّها في الهامش. ومن كان في الهامش لا أهميّة لتصوّراته وآرائه ، وتجاربه، ولذا يعمل بـ«حديث»: «شاورهنّ وخالفهنّ» وبقاعدة «المرأة هي الضلع الأعوج».

لم يتساءل أحد لِم رشّحت الأحزاب قائمة من الرجال لحضور المشاورات والمشاركة في البرامج الخاصّة بموضوع الساعة في وسائل الإعلام. ولم يتساءل أحد عن صلة هذا المشهد الذكوريّ بشكل الحكومة المرتقبة. غير أنّنا نذهب إلى أنّ الحدّ من مشاركة النساء في تحمّل المسؤولية في الحكومة بدت أماراته تلوح .

قد يعتبر رجال السياسية وغيرهم من المدافعين عن الامتيازات الذكورية أنّ مطالب التونسيات بحقّهنّ في المشاركة الفعليّة في الشأن السياسيّ لا تعكس «عين الصواب»، وفيها شيء من المبالغة بل التطرّف والشطط فمتى كان للنسوان قول في إدارة البلاد؟ ثمّ إن لم يقدر الرجال على حلّ أزمات البلاد فهل ستأتي المعجزة على يد النسوان؟

ولكن يحقّ للمواطنات تنبيه المسؤولين في مواقع القرار إلى الانزياح عن مسار تجسيد قيم المساواة والعدالة والكرامة... على أرض الواقع. فبعد معركة التناصف وصياغة دستور «رياديّ» بدأت مؤشرات التراجع والانزياح عن مسار يحقّق المشاركة الفعليّة لجميع التونسيين والتونسيات بقطع النظر عن الجندر والعرق والأيديولوجيا و... واضحة. يكفي أن ينظر المرء إلى تقهقر نسبة تمثيليّة النساء في مجلس الشعب ليتبيّن أنّ الشعب المعنيّ بالمشاركة هو الرجال بالدرجة الأولى، وهنا تبدو ميكانزمات الفرز والتصنيف واضحة لتعكس التراتبية والتبعيّة بين التونسيين. فثمّة شعب النهضة مثلما يصرّ قياديو الحزب على تسمية أنصاره في خطاب تمييزي لا يجمع بل يفرّق ، وثمّة شعب ذكوريّ ممثّل أحسن تمثيل، وشعب النساء الذي يعكس أقلّية داخل المجلس.

وبينما تشير الإحصائيات إلى تأنيث قطاعات كبرى كالتعليم والقضاء والصحّة وغيرها، وتميّز الفتيات والنساء في مجال الابتكار والاختراع العلميّ والرياضة والإبداع وغيرها من المجالات يعكس المشهد السياسيّ الحالي صورة مخالفة تماما ومعبّرة عن الفجوة بين ما تنجزه الفتيات والنساء على أرض الواقع، ومواقعهنّ في سلّم القيادة وتحمّل المسولية.

لتونس أن تمضي على الاتفاقيات والمعاهدات الدوليّة التي تلحّ على تشريك النساء في كلّ المجالات بما فيها التفاوض لحلّ النزاعات، والمساهمة في بناء السلام ومكافحة التطرّف وغيرها ولكن مرّة أخرى تغيب الإرادة السياسية التي بإمكانها تطبيق الالتزامات وتحويل المشاركة النسائية من زينة ornement نوشّي بها السياسة إلى فعل مواطنيّ بنّاء.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا