إرهاصات الانزياح بالانتقال الديمقراطي عن مساره

واهم من يعتقد أنّ المسار الانتقاليّ الديمقراطي كان يمكن أن يتمّ بسلاسة وبطريقة سلميّة. فكلّ التجارب السابقة تثبت أنّ عمليّة الانتقال مركبّة

ومعقدّة وإن اختلفت درجات التعقيد من بلد إلى آخر ومن فضاء جغرافي(القارة الإفريقية) إلى آخر(أمريكا اللاتينية ). وكلّ التجارب تشير إلى أنّه لا وجود لأنموذج واحد للتحوّل الديمقراطي. وكلّ التجارب تجعلنا ندرك أنّ العنف يلازم عمليّات الانتقال الديمقراطي، وإن تفاوتت حدّته من مجتمع إلى آخر. ولذا كان من المتوقّع أن يمرّ التونسيون بتجارب متعدّدة حوّلت العنف إلى ظاهرة اجتماعية ممأسسة هيكلت العلاقات الجندرية والاجتماعية. وبالرغم من تضاعف منسوب العنف فقد استطاع التونسيون أن يقتنعوا بضرورة مقاومة أشكاله المختلفة حفاظا على اللحمة الاجتماعية لاسيما بعد بروز خطر الإرهاب.

ولكن وبالرغم من الحملات التوعوية والتحذيرات والتنديد بممارسة النخب السياسية والمتعلمة والإعلامية لأشكال مختلفة من العنف فإنّ الانطباع العامّ السائد اليوم لدى التونسيين هو أنّنا أضحينا مجتمعا ينحو منحى التعصبّ، وتسود فيه مشاعر الكراهية في الفضاء الخاصّ والفضاء العامّ والفضاء الافتراضي، وهو أمر يشير إلى توفّر مناخ عامّ لن يساعد على استكمال بناء المسار الانتقالي، وسيهدّد في ذات الوقت، السلم الاجتماعيّ . وما دامت الدولة هشّة وغير قادرة على أداء مهامّها على أكمل وجه فإنّ العنف في ازدياد . فكيف سيكون بإمكان التونسيين إذن العمل معا من أجل تجاوز المصاعب، وهم في الخصام غير مبينين؟

تتعدّد في الواقع المؤشرات الدالة على الانحراف بالمسار الانتقالي والمُخبرة بتغيير ملامح الديمقراطية: من ديمقراطية ظلّ السياسيون يكرّرون أنّها وليدة وناشئة حتى يتبرّؤوا من أخطائهم، إلى «ديمقراطية عنيفة» ولا أدلّ على ذلك من العودة إلى المواضيع التي قسّمت التونسيين وشكّلت خلافات حادّة بينهم كالدعوة إلى تطبيق الشريعة وحماية المقدسات وتجريم الاعتداء عليها، والنقاش حول طبيعة المنزلة التي يجب أن يحتلّها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في الذاكرة الجمعيّة، و«حدود» حريّة التعبير، وهيبة الرئيس، والقضايا المتصلة بالهوية الدينية...

لا ريب أنّ عدم فتح النقاش المجتمعي المعمّق والرصين بشأن مواضيع ذات صلة بطبيعة الحكم، والمشروع المجتمعي... وعدم الحسم فيها بشكل مرضيّ قد جعلها تطفو من جديد على السطح . فبعد أن تغيّرت موازين القوى بات من كان مستضعفا وفي الهامش، في المركز، وألفيناه اليوم، متحمّسا لإعادة طرح هذه المسائل الخلافيّة لم لا وهو يعتبر نفسه المسؤول عن عمليّة صياغة التشريعات وبإمكانه أن يتشفّى من خصوم الأمس. ولكن ألا يعدّ «إحياء» طرح مثل هذه المسائل انزياحا عن المطلوب في مثل هذا السياق الذي اتسم بتعقّد الأزمات؟ ألا يمثّل التهيّب لهذا الجدل حول المواضيع الخلافية هدرا لوقت ثمين سيكون من الأجدر استغلاله في التفكير في حلّ المشاكل وطرح البدائل؟

والظاهر أنّ الفاعلين السياسيين الجدد قد تناسوا الأخطاء التي ارتكبتها الطبقة السياسية الأولى إذ انصرف القدامى إلى مناقشة الزوج علمنة-أسلمة، والقيم التي تأسست عليها دولة الاستقلال ومحاكمة النظام البورقيبي ونظام بن عليّ وتجاهلوا القيم التي طالبت بها الجموع وتناسوا «انتظارات» التونسيين الحقيقية. وقد ترتّب عن ذلك التناحر والتلاعن، والسبّ والشتم... انفلات النقاش العامّ من أطره وعسر ضبط حدوده.

وها نحن اليوم نعيش على وقع قضايا ترجعنا إلى التاريخ القريب، وتحفّزنا على النبش في الذاكرة وكأنّه كتب علينا أن نُزامن فاعلين سياسيين في قطيعة مع حاضرهم يأسرهم الماضي فلا يتأملون في تقلبات الواقع المتحوّل.

إنّ أخشى ما نخشاه أن يعيش «الحكام الجدد» في غربة ... تحرّكهم اليوتوبيا فتعزلهم عن شعب ما عاد يقبل الزلاّت ، والانحرافات والانزياحات ، وتصفية الحسابات ، والتلاعب بمصائر الأجيال... شعب همّه الوحيد أن يعيش بكرامة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا