على هامش انتخابات هياكل المحاماة: رهانات استعادة الحصن المهجور (؟)

تلتئم الجلسة العامة السنوية لمحامي الجمهورية التونسية بقاعة الإجتماعات التابعة لصندوق التقاعد والحيطة للمحامين

بالمركز العمراني الشمالي ، و يتجدّد غدا موعد المحامين مع إنتخاب هياكلهم الجديدة بعد مرور ثلاث سنوات من تسيير الهياكل المتخلية للعمادة ومجلس الهيئة ، ثم تتواصل إثر ذلك انتخابات الفروع الجهوية .

و رغم فتور الحملة الإنتخابية و مرور الحدث بلا وهج و لاحماس ، فإنه لا أحد يتجاهل الرهانات السياسية على هياكل المحاماة ،و هي رهانات لا تغيب عن أعين الأطراف الواعية بأهمية حصن الدفاع ، جناح العدالة.

فالدور الّذي لعبته المحاماة التونسية في الحركة الوطنية و الدور الّذي تبوأه عدد من الشخصيات المنتمية إليها أو المتخرجة منها في الحياة السياسية و في بناء الدولة التونسية، جعل لهذه الهياكل الممثلة لها - إلى جانب دورها في القضاء - إحدى أهم الجمعيات الضاغطة في المجمتع المدني و السياسي و المساهمة في التحولات التي عرفتها في مختلف المحطّات وآخرها في المرحلة الإنتقالية الّتي سبقت انتخابات الجمهورية الثانية ، ضمن الرباعي الراعي للحوار الّذي تُوّج بجائزة نوبل . لذلك كان الرأي العام و الخاص يولي أهمية خاصّة لفعاليات هذه الانتخابات و تقع متابعتها من كل الأوساط للتعرف على التوجهات العامة للنخبة المسيّسة. و لكن مدّة تسيير الهيئة المتخلية في السنوات الثلاث الأخيرة أعطت الإنطباع بأن المحامين سلّموا أمر مهنتهم للإرتجال و اكتفوا بإدارة شأنهم الخاص بالحد الأدني ،و أحيانا بأخطاء بدائية ، وأنحسر دورها في الشأن العام و بدت خارجة عن الفعل المتحفّز للمشاركة في تغيير السائد نحو الأفضل ، خاصّة في المجالات الحقوقية والقانونية وفي المجادلات المتصلة بدولة القانون و المؤسسات ، الّتي كان من المفروض أن تكون رافدا من روافدها .

لقد رفع العميد المتخلّي سنة 2016 شعار الإستقلالية و المهنية ،و لكن لم ينجح مجلسه لا في فرض الإستقلالية الايجابية و لا في معالجة الشؤون المهنية بإقتدار ، إذ دخلت المحاماة في منازعات و تصادم أساء للمهنة أكثر من إفادتها، وبقت الهياكل تدير الازمة تلو الازمة و تساير المشاكل في تنافر بين مختلف مكوناتها .

ويبدو أنه حصل خلط بين الإستقلالية والإستقالة في المشاركة في الحياة العامّة . فالّذي ميّز المحاماة لدى الرأي العام هو إنخراطها في الدفاع عن الحريات العامّة و الخاصّة ،ومساهمتها الدائمة في الدّفاع عن إستقلال القضاء، وهو ما جعلها تتميّز عن بقية المهن الحرّة و تكون قريبة من مختلف الفئات و مؤثرة فيها ، ومشاركة في التحركات و الإحتجاجات أو في قيادتها ضد مختلف الحكومات . هذا الدور نكاد لا نجد مثيلا له حتى في الديمقراطيات التقليدية الّتي ينحصر دورها في شؤون المهنة و مؤازرة و مساندة النضالات الإنسانية بصورة غير مباشرة عبر هياكلها و المنظمات الإنسانية و الحقوقية الدولية.

و لم نر أي تحرك أو تحفّز أو مبادرة بخصوص المحكمة الدستورية رغم أنها تهم المحاماة من قرب، كما لم تظهر المحاماة في الدفع من أجل إصلاح القضاء ولم نر لها دورا متميّزا في المجلس الأعلى للقضاء ، و لم نشهد لها دورا للإهتمام بالأداء اليومي للإدارة القضائية و ما يحدث من تعطيلات وتجاوزات أحيانا و ما لذلك من أثر على الحياة المهنية للمحامين و على المتقاضين . و غابت روح المبادرة والمشاركة في صياغة القوانين و في متابعة مشاريع القوانين ، الّتي ستكون في النهاية أداة عمل المحامين والقضاة على حد سواء .

كما لم نر للمحاماة دورا في مشروع المساواة و المحاور الأخرى المتصلة بالحريات ،بل سُجل غيابها في التقرير الّذي أعدّته لجنة الحريّات الفردية والمساواة بالرغم من أن رئيستها محامية ، بل نراها سايرت الرؤية الضيقة للمشروع الّذي اختزله البعض في المساواة في الإرث ، وانجرت وراء الموقف ‹المخاتل» للنهضة وأتباعها ،و هو ما جعل العديد من المحامين يؤكّدون أن الهياكل بقيت مكبّلة بإختيارات و مواقف أتباع النهضة ، الّتي عملت منذ 2011 على اختراق الهيئات المهنية والسعي لتحييدها أو السيطرة عليها ،و قد نجحت في ذلك بخصوص المحاماة ، إذ وضعت الموالين لها في مختلف المراكز المتصلة بالمحاماة والشؤون الحقوقية،و حصدت ما شاءت، مستغلّة عزل الماسك بالواجهة الامامية، والفعل بواسطة الصفوف الخلفية للمتوقع في المراكز الحسّاسة، و تواصل سعيها للحفاظ على مواقعها و تدعيمها .

لقد انكمشت المحاماة ، كما سبق أن أكدنا في عدّة مقالات، بعد «هجرة» جانب هام من المحامين إلى مواقع السياسة في الأحزاب أو في ممارسة السلطة ،و حصول شبه فراغ في هياكل التسيير المحيطة بالعمادة ، فلم تعد ذلك الصرح المهاب الّذي تُحيط به هالة الإكبار والتقدير. بل تسبّب البحث عن الوجاهة العامّة، في نقص الإهتمام بشؤون المهنة ، الّذي خلق نوعا من التبرّم وتفشي بعض الظواهر السلبية و التجاوزات وتحوّلت بعض المنابر و شبكة التواصل الإجتماعي إلى «حلبات للمبارزة» وفي أحيان كثيرة للسب والشتم. هذا المنحى المرضي لم يعد مقتصرا على فترات الحملات الإنتخابية ، بل أصبح عادة جعلت المهنة تفقد الكثير من «الإكبار» الّذي عرفته سنتي 2009 و 2010 و في بداية 2011 .

هذا الوضع حسب رأي العديد من المحامين يجب أن يتغيّر و يأملون أن يحصل التغيير في القيادة أساسا لأن مؤسّسة العمادة هي بمثابة عربة القيادة و لا يمكن أن نتصوّر قائدها دون أن تتوفّر فيه عناصر التميّز و المتمثّلة في التجربة وسعة المعارف والكفاءة و الإستقامة و الإشعاع ، و القدرة على التجميع و حسن الإحاطة و الكياسة في التعامل مع الأطراف الناشطة في مجال القضاء و المجتمع المدني. كما يفترض أن يسترجع مجلس الهيئة قوّته و تماسكه بوجود عناصر ذات كفاءة و تجربة وأخلاق عالية للمساهمة بفاعلية في التسيير و التنظيم و إتخاذ القرار.

فهل ستعي القاعدة الانتخابية بهذه الأولوية ،أم هل سيبقى جانب هام منها متأثرا بالمناخ العام في البلاد غير قادر على سحب البساط من حاملي الشعارات و المتخفين وراء الواجهات ؟ و هل ستقف على الأسباب الّتي جعلت المحاماة تتحوّل من فاعلة في خيارات المجتمع و توازنه إلى شبه مسايرة للتحوّلات ؟.

كما سبق أن أكدنا في مستهل الثلاثية الّتي تولّت فيها الهيئة المتخلية مسك الهياكل، إن المحامين ينتظرون إعادة الإعتبار للمحاماة كقوّة فاعلة في المجال الحقوقي والقانوني و في الشأن العام كقوّة مبادرة واقتراح و ضغط من أجل تركيز دولة القانون المؤسسات والحفاظ على القيم الجمهورية والديمقراطية و إعادة الإعتبار أيضا للمسار المهني و معالجة أوضاع المحاماة و المساهمة بفاعلية في تحسين أوضاع القضاء ، لأن ذلك هو مصدر قوّة هياكلهم، و ذلك هو الطريق الّذي يجعلهم في طليعة المدافعين عن قيم الحق والحرية و العدالة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا