خمسة أشهر قبل الانتخابات: المنظومة الحزبية على المحك

في الغالبية الساحقة لديمقراطيات العالم تكون الانتخابات العامة (التشريعية والرئاسية) شأنا

حزبيا بالأساس ولا وجود لأي حظوظ تذكر لكل ترشح خارج منظومة الأحزاب ..

ولقد كان الأمر كذلك في تونس في انتخابات 2011 و2014 ولكن مثلت الانتخابات البلدية في ماي 2018 استثناء لافتا حيث كان الحزب الأول هو «حزب» المستقلين ، والسؤال هل كنا أمام استثناء يبرر بالصبغة المحلية للانتخابات أم أن الرفض المتعاظم الذي يبديه التونسيون أمام المنظومة الحزبية سيفتح طريقا سيارة أمام القائمات المستقلة في تشريعية 2019 ؟ بعبارة أخرى هل نحن إزاء منعرج قد تفقد به المنظومة الحزبية ، ولو جزئيا ، هيمنتها على التوازنات السياسية الكبرى للبلاد أم أن لهذه المنظومة الحزبية من المرونة ما يسمح لها باستيعاب كل الأزمات وبمواصلة الاستفراد بالتمثيلية الارتياب على المستوى الوطني ؟

لابد من ملاحظة منسوب الشعبي المرتفع تجاه كامل المنظومة الحزبية والنظر إلى المتحزبين باعتبارهم متكالبين على المناصب ليس إلا.. هذا توصيف لواقع نفسي ملموس واقع لعبت فيه الأحزاب السياسية دورا كبيرا لأنها شيطنت بعضها البعض فطالت الشيطنة الجميع حكما ومعارضة وزاد في تعميق هذا الانطباع ما يشاهد بين الفينة والأخرى من مناخ الجلسات العامة لمجلس نواب الشعب ..

هنالك مفارقة تونسية لافتة : الانتخابات العامة - التشريعية مثالا – مجعولة لاختيار برامج واغلبيات الحكم ولكن يبدو أن عنصري الانتماء أو الثقة هما الطاغيان في اختيارات الناخبين إلى حد الآن . عنصر الانتماء يدفع بجزء من الناخبين للتصويت لبعض الأحزاب العقائدية او لتلك التي تمثل هوية قوية أما عنصر الثقة فهو الذي يعوز ، الى حد الآن ، جل الأحزاب البراغماتية وهو تصويت قد يتحول بسرعة من حزب إلى آخر او من حزب إلى قائمة مستقلة ..

ونتيجة هذا أن التصويت للبرامج ليس هو الغالب على الساحة الانتخابية التونسية وهذا قد يزيد في إرباك المشهد وتعقيده خاصة بعد الانتخابات لأن التحالفات ، مرة أخرى، قد لا تكون حول برنامج حكم بل حول إمكانية الحكم من عدمه ..

وثمة إشكال آخر يكمن في الهوية الحقيقية لكل المبادرات الخارجة عن المنظومة الحزبية والتي يمكن أن نطلق عليها اسم « التيارات السياسية غير المنتظمة» ما تريد هذه الكائنات المتمردة على المنظومة الحزبية وما هي برامجها للبلاد؟ وهل هي أحزاب تخفي اسمها وماذا معنى ممارسة السياسة بشكل مختلف ؟ فالفائز في الانتخابات التشريعية له بطبيعة الدستور دور تشريعي ورقابي ، أفلسنا هنا أمام حزب سياسي يخفي اسمه ؟ وإن كان الأمر كذلك أفلا يصبح نوعا من مراوغة الناخب التقدم خارج المنظومة الحزبية وخارج قيمها وتقاليدها لممارسة شيء يذكر بها وبقوة بعد الفوز في الانتخابات ؟

بعبارة اخرى قد يجد الناخب الذي يريد ان يهرب من منظومة الأحزاب الى هذه الكائنات غير المنتظمة أمام أحزاب فعلية ولكن من صنف جديد..

على الناخبين ان يحتاطوا جيدا حتى لا يهربوا من القطرة فيجدون أنفسهم تحت «الميزاب »..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا